بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمدِ الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
التصوف هو ليس مجرد ثقافة نتعلمها من خلال القراءة، أو شعائر وطقوس تؤدى من خلال الأوراد وحلقات الذكر فقط، وإنما هو نمط حياة إذ يتطلب ممارسة منهاج تعبدي يطال جميع مفردات حياة الفرد اليومية ويشغل وعيه على مدار الساعة. فالتصوف ليس مذهباً إسلامياً أو طائفة من الإسلام أو المسلمين، ولكن التصوف هو الإسلام الممارس بإتقان قدر الإمكان، أو بمعنى آخر ممارسة الإسلام بإتقان مستنيرين بالحديث الشريف (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، وذلك طالما أن الله قد خلق الإنسان لعبادته لا لشيء آخر (وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون). ف التفكر عبادة، الكلمة الطيبة عبادة، قول “بسم الله الرحمن الرحيم” عند الأكل عبادة، وذلك لأن هناك مراقبة “الله حاضري الله ناظري الله شاهد علي”.
وممارسة نمط الحياة الصحي هذا هو السبيل لحصول الإنسان على قلب سليم، إذ يحرره من ربقة عاداته السيئة وتعلقاته غير السوية التي تقوده إلى اتخاذ قرارات خاطئة بسبب من استنادها إلى أحكام منحازة لأهوائه وتودي به إلى التهلكة، وتجعله أهلاً لحلول العلوم اللدنية فيه، فيرى الوجود عندها كما ينبغي أن يُرى وليس كما يصوره الآخرون ممن لهم قلوب لا يعقلون بها.
إن هذه المدونة تسعى إلى تبيان “التصوف مُعاشاً”، وإلى تبيان تطبيق التصوف في حياة الفرد وفي علاقته مع الآخر أو مع أي تصور ومبحث في الحياة. فهو يمثل “أنا في كل ما أنظر إليه سواي”، وذلك بأن أخفض صوت الـ أنا وأرفع ما عداها وأعطي محط النظر ما يستحقه من اهتمام. فالذات بالتصوف تستطيع أن تعي ما حولها ومن حولها وما يحدث من تفاعلات إذا ما قامت بالتقليل من الاستماع إلى صوت النفس، وهي العلاقة المعرفية الصحيحة والعلاقة البينية الصحيحة. على سبيل المثال “لا تخن من خانك”، “لا تسيء إلى من أساء إليك”، إنما هو انتصار لله وليس للنفس إذ أنه ينظر إلى الله وليس إلى النفس. فما يعيبه التصوف على العلماء والفلاسفة هو أن نفسهم حائل بينهم وبين الآخر، ذاتاً وموضوعاً، لذلك فإن نظرتهم ليست صائبة. فلكي نتعامل مع الوجود تعاملاً صحيحاً فإنه يجب رفع فلتر النفس لتصفيته من جراثيم وفايروسات الهوى، ومنعها من أن تكون حاجزاً بين الإنسان والشي.

ومن هنا جاء عنوان المدونة هذه “التصوف 24/7″، أي التصوف على مدار الساعة. فالتصوف ممارسة. ولا يكفي للإنسان في هذا الزمن أن يقول بأن عنده طريقة أو أنه يحب التصوف، وإنما يجب أن يكون لديه موقف من الحضارة المعاصرة وتكون لديه وجهة نظر في كل المعارف وأن يقوم بقراءتها قراءة صوفية من حيث أن التصوف يمثل روح الإسلام، وله وجهة نظر خاصة به إلى كل المعارف، لأننا إن لم نفعل ذلك فسوف نكون مجبرين على قبول ما يأتي به العلماء والذي قد يتناقض مع أساسيات عقيدتنا القاضية بوجود الله واليوم الآخر والمعجزات وما إلى ذلك. وهذا هو ما أسميه “التصوف الإيجابي”، وذلك في مقابل “التصوف السلبي”، عندما يكون المتصوف مجرد متلقٍ ليس إلا. فالعبادة من دون معرفة ناقصة، والله تعالى لا يقبل بالناقص غير المتقن. وهذا هو تطبيق لما قاله حضرة الشيخ محمد المحمد الكسنزان قدس الله سره العزيز من أن “التصوف هو علم العلوم”.
وقد طوّرت من خلال ممارستي “التصوف التعبدي” موقفاً خاصاً بي من الوجود هو ما أسميه “التصوف المعرفي”، وأني أجد نفسي الآن قادراً على الإجابة على الأسئلة المعرفية الوجودية التي كانت تحيرني وكنت أعتبرها ألغازاً مستعصية الحل، وأستطيع أن أتشارك معرفتي هذه مع الآخرين من الذين تدور في خلدهم هذه الأسئلة التي تحير من قرر أن يكون مفكراً، وسوف أتحدث من خلال مدونتي هذه عن وجهة نظري حول مختلف مناحي الحياة. ومن هنا، فإن هذه المدونة وإن بدا عنوانها يقتصر على التصوف، إلا أنها تتناول مختلف المواضيع الحياتية.
