بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا يظلم المرء حضارتنا المعاصرة إذا ما هو وصفها بأنها ذات منظومة معرفية ملحدة. صحيح أنها حضارة لا تدعو جهاراً إلى إنكار وجود الله، إلا أنها، وفي الوقت ذاته، لا تبني بنيانها العقائدي على أساس من القول بوجوب وجود الله. فإذا كانت المنظومة المعرفية لحضارتنا المعاصرة تعتمد العلم مرجعيةً ومحتكماً، فإن العلم، كما سبق لي وأن بينتُ، هو علمان: علم تجريبي محايد لا يجرؤ على أن يكون مناصراً لقضية وجود الله فيؤيدها، فهو علم أشبه ما يكون بالطفل تسيّره كيف تشاء فإن شئت اصطحبته إلى حديقة الحيوان وإن شئت أبقيته في الدار حبيس ألعابه، وعلمٌ نظري ملحد حتى النخاع لأنه لم ينطلق من القول بوجوب وجود الله عز وجل. إن الاكتفاء بالقول إن الإيمان بوجود الله عز وجل والأخذ بالعلم ممكن ولا يستدعي الأمر وجوب أن تكون مؤمناً لتكون عالماً هو محض هراء. فالايمان بوجود الله هو ليس مسألة ذاتية شخصية. صحيح أن العلم موضوعي، ولكن هل هذا الإيمان هو أمر ذاتي لا ينبغي أن نداخله مع ما هو موضوعي؟ لا يمكن بحال من الأحوال أن نفصل بين الذاتي والموضوعي إذا كان الأمر يتعلق بالموقف المعرفي الصائب الوحيد من الوجود وأحداثه. فلا يمكنك أن تنظر إلى الوجود، بنيّة أن تراه على ما هو مقدّر لك أن تعرفه، وأنت لا تقر بأن لهذا الوجود خالقاً هو الله. إن الوجود بمعزل عن القول بوجوب وجود الله عز وجل وجودٌ خيالي لا يمت للحقيقة بصلة. وحدها العين التي تنظر إلى الوجود دون أن يخالط إبصارها وهم خلو الوجود من ما يشير إلى وجوب وجود الله، هي القادرة على أن تراه كما ينبغي أن يُعرف بلا زيادة أو نقصان. فإذا كان الأمر كذلك، فحضارتنا المعاصرة، وبمنظومتها المعرفية الملحدة بالضرورة، لا يمكن لها أن تكون الحضارة الفاضلة، لأننا سنبقى على الدوام أسرى خيالاتنا وأوهامنا بخصوص هذا الوجود وموجداته. ولي أن أستدل على زعمي هذا بالإشارة إلى أن هذه المنظومة المعرفية قد خيل لواضعيها أنها المنظومة الفضلى في التعامل المعرفي مع موجودات الوجود ناسين بذلك أنهم قد اطرحوا جانباً بعضاً من أهم ما يميز هذا الوجود، ألا وهي تلك الظواهر التي لم يتم إقصاؤها بعيداً عن متناول البحث المعرفي إلا بسبب من كونها أبت واستعصت على التنظير والتفسير. أعني بذلك الظواهر الخارقة للعادة من معجزات وكرامات وغيرها من ظواهر استبعدت من منظومتنا المعرفية المعاصرة للسبب أعلاه. والآن، هل نحن بحاجة إلى منظومة معرفية جديدة؟ الجواب نعم وبكل تأكيد، لأن هذه المنظومة المعرفية الجديدة ستمكننا من النظر إلى الوجود بموجوداته كلها جميعاً دون استبعاد أو إقصاء له وثيق الصلة بأهواء أنفسنا وما يفرضه علينا خيالنا الآبق. وإذا كان لنا أن نحدد هوية هذه المنظومة المعرفية الجديدة فلنا أن نتعرف عليها في مضمار ذي صلة بالتصوف، وذلك لأن التصوف هو النافذة الوحيدة في زماننا هذا التي تمكننا من أن نطل على الوجود لنراه على حقيقته التي قدّر لنا أن نعرفها إذا ما كانت نظرتنا إليه محددة بشروط هذا التصوف ومحدداته. فالتصوف، بكراماته وخوارق عاداته، هو المفتاح الذي بوسعنا أن نلج به ونسبر مغاليق هذا الوجود فلا يعود بعدها وجوداً مبهماً غامضاً عصياً على الفهم.
