
عندما نريد أن نعبر عن امتعاضنا من مجتمع ما، لانتفاء وجود العدل فيه، فإننا عادة ما نشير إليه بأنه مجمتع تسوده شريعة الغاب. ونعني بذلك أنه مجتمع يفترس فيه القوي الضعيف فلا يعود بوسع الضعفاء أن يجدوا لهم فسحة عيشٍ فيه. إن هذا التوصيف ظالمٌ ظلمَ الإنسان لنفسه. فلو كان الأمر كما نتوهم، أي أن الغابة تسودها شريعةٌ تقضي بأن يفترس قوي حيوانها ضعيفها، لما وجدنا في الغابة اليوم، من بعد ملايين السنين على سريان هذه الشريعة فيها، أرانب ولا سناجب! فحقيقة كون الغابة يتعايش فيها القوي والأقل قوة، والضعيف والأشد ضعفاً، تدحض هذا الزعم منا بأنها مثال على الظلم واللاعدالة. لقد فاتنا، من بين كثير مما فاتنا، أن نعي أن الغابة لا تسودها شريعةٌ إلا ما شرعه الله فيها. فشريعة الغاب هي شريعة الله التي قضت بأن يتحقق فيها التعايش الحكيم بين حيواناتها فلا يكون هناك بغي ولا عدوان ولا تسلط، وذلك على عكس ما نراه في مجتمعات بني آدم منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله. إن الحق ليقتضي منا أن نصحح نظرتنا هذه إلى الغابة لنراها كما يجب أن ترى، بعين لا يخالط إبصارها شوائب مما تفرضه النفس ويحتّمه الهوى. فالغابة هي عالم الله الذي جعلها من آياته البينات الدالات على عدله وفضله وحكمته وإحسانه. فأي حديث بعد هذا عن شريعة الغاب، وبالمعنى الذي تكون فيه الغابة مرتعاً للظلم وللظالمين، إنما هو تعدٍّ على الله واتهام له، حاشاه، بالظلم والجور. فلو أنصفنا لما وصفنا مجتمعاً ما بأن شريعة الغاب تسوده، إذ كيف لهذا المجتمع أن يكون ظالماً وشريعة الله، أي شريعة الغاب، هي التي تسوده؟ فإن اتصف مجتمع ما بشريعة الغاب فهذا إقرار منا بأنه مجتمع المدينة الفاضلة، أي مجتمع تسوده شريعة الله، فهل هناك من تناقض أبين من هذا؟ إن المجتمع الفاضل هو مجتمع شريعة الغاب، وذلك لأنه مجتمع تسوده شريعة الله التي سادت من قبل في الغابة فجعلت لضعيفها الحظ في أن يبقى، بعد ملايين السنين، متعايشاً مع قويها.
