قصتي مع التصوف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

another moon

تعود بدايات قصتي هذه، التي ما زلتُ أحيا فصولها وصفحاتها حتى ساعتي هذه، إلى عام 1968. حينها كان لي من العُمُر أعوام ستة. وكان التلفزيون العراقي يعرض آنذاك، من بين ما يعرض، مسلسلاً مصرياً شدني إليه كما شد الكثيرين. وكان لي بمتابعة هذا المسلسل أن أتعرف على التصوف في أحداثه. وما زلتُ أذكر تأثري الشديد بالأجواء الصوفية الجميلة التي تخللت المسلسل. وكانت العبارة التي مازلتُ أذكرها من هذا المسلسل هي “مدد على طول المدى مدد”، وظلت هذه العبارة ترافقني سنوات وسنوات إلى يومي هذا. ثم شاءت الأقدار بعدها بسنوات أن أجد نفسي في مصر عام 1975 لأبقى هناك عامين. وكنت حينها في الثالثة عشرة من عُمُري. وكان لقائي الثاني مع التصوف عندما كان والدي رحمه الله يصطحبني إلى حي سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه، حيث حلقات الذكر. فذكّرني ذلك المنظر بذاك المسلسل، والذي فاتني أن أذكر أن إسمه “الساقية”. ثم عدنا إلى بغداد عام 1977، وشاءت الأقدار مرة أخرى، بعدها بعام، أن يطل التصوف عليَّ وهذه المرة من خلال كتب الدكتور مصطفى محمود رحمه الله والذي كنت قد أصبحتُ مهووساً به أيما هوس. فكان عام 1978 عاماً حافلاً بالكثير من القراءات في عالم مصطفى محمود. ومن بين كتبه التي أثَّرت فيَّ تأثيراً بالغاً أذكر كتاب “رأيت الله”، و”السر الأعظم”، وكتاب “الوجود والعدم”؛ حيث عرّفتني هذه الكتب على التصوف عن طريق سيدنا النفري رضي الله تعالى عنه، ومن خلال كتابه “المواقف والمخاطبات” والذي اقتبس منه مصطفى محمود الكثير من العبارات التي مازلت أحفظها لفرط جمالها وقدرتها على جعلك تعجب لذاك الأدب الجم الذي ميّز علاقة النفري عبداً بربه المعبود. ومرت السنون والأعوام حتى شاء الله أن ألتقي في العمل الذي قُدِّر لي أن أمتهنه بعد التخرج من الجامعة بزميل كانت لي معه محادثات تطرقنا في إحداها إلى التصوف، وأخبرته عن مشاهداتي في مصر التي أشرت إلى بعضها أعلاه، وكان هذا في عام 1985. وبعدها بعام كنت قد بلغتُ في مشروعي الفكري مرحلةً لم يعد بمقدوري معها أن أظل موافقاً للتدين السائد الذي كان يقضي بأن يكون كل حظ الدين منك صلوات خمس في اليوم وصوم شهر في السنة وحج البيت مرة واحدة في العُمُر ودريهمات تتصدق بها على الفقراء بين الحين والآخر! كان الأمر، أنى قلبته وتمعنتُ فيه، مناقضاً لما كنتُ أستشعره من وجوب أن يكون التدين أكثر من هذا، وأكثر من هذا بكثير جداً. فكيف يستقيم أن يكون الله قد خلقني لعبادته (وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون)، ويكون تديني على هذه الشاكلة غير المتناسبة؟! ثم إن التديُّن السائد، بثقافته الفقيرة، لم يكن له أن يتصدى للمشروع المعرفي الغربي الملحد بالضرورة. فكان أن أصبحتُ أمضي أيامي وأشهري في حيرةٍ من أمري حتى كنتُ أسمي أعوامي هذه بأنها “أعوام جهل”. ولاحقاً أشرت إليها بـ “سنوات المشكلة”، وصرتُ أرفع شعاراً أردده خفاء وجهراً ألا وهو شعار “أريد حلاً”. ورافقت هذه الحيرة الدينية عندي إنكبابي على مشروعي المعرفي الذي كنتُ قد شرعتُ بصياغته منذ سنوات طويلة خلت. ففي الوقت الذي توصلتُ فيه إلى هذا الشعار “أريدُ حلاً”، كان مشروعي المعرفي قد أفضى بي إلى أن الفلسفة التي عليَّ أن ألتزمها ولا أحيد عنها في نظرية المعرفة الخاصة بي هي ما وضعتُ له من الأسس التي انتهت بي إلى صياغة مذهب معرفي أطلقتُ عليه حينها إسم “الأنا لا أدرية”، وهو مبدأ قريب جداً، ولكن ليس إلى حد التطابق، مع المذهب الفلسفي الشهير المعروف بـ “اللاأدرية”. على أي حال، وعندما اشتدت عليَّ المعاناة جراء هذا الجهل مني بما يتوجب عليَّ القيام به حتى أكون عبداً كما يريدني الله أن أكون، توجهتُ إلى مقامات آل بيت النبوة في العراق، حيث كنت أقيم، فشرعتُ بزيارتها زيارةً منهجية حيث كنتُ أروم من هذه الزيارات التوسُّل إلى الله بجاه من أحبَّهم أن يهديني لأقرب مما كنت عليه رَشَداً. فزرتُ مقام سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه، ومقام سيدنا العباس وسيدنا الحسين رضي الله تعالى عنهما، ثم انتهى بي الأمر إلى زيارة مقام سيدنا الكيلاني قدّس الله سره العزيز. وبعدها بحوالي أسبوع فوجئتُ وأنا في العمل بشخص جاءني ليخبرني أنه عرف من زميلي الذي أشرت إليه أعلاه أنني مهتم بالتصوف، وأن هناك متصوفة في بغداد يلتقون في تكية حيث تقام حلقة ذكر بإمكانه أن يصطحبني إليها. فكان أن اتفقنا أن نذهب بعدها بحوالي أسبوع. وهكذا كان يوم الخميس 14/نيسان/1988 هو الموعد الذي تحقق فيه ذاك اللقاء بين التصوف وبيني. وما زلتُ أذكر أنني تعجبتُ أشد العجب، عندما كان هذا الشخص يطلعني على التكية حيث يلتقي الدراويش بذكر الله، وذلك عندما فاجأني أن هذه التكية للطريقة الكسنزانية، حيث أوضح لي أن “الكسنزانية” مشتقة من “كسنزان” والتي تعني باللغة الكردية “لا أحد يعرف”! لقد هالني هذا الأمر حينها كثيراً، وما زلتُ حتى هذا اليوم أجد الأمر عجيباً جداً؛ إذ كان مشروعي المعرفي قد انتهى بي إلى الـ “أنا لا أدرية”، والآن أجد أن الحل الذي كنت أبحث عنه قد جاءني بهذه الطريقة الكسنزانية! قررتُ عندها أن ألتزم الطريقة هذه لتكون طريقة حياتي فبايعتُ أستاذها على يد وكيله العام. وكانت هذه المبايعة المباركة فاتحة لكل خير في حياتي، بل أستطيع أن أقول اليوم، وبعد مضي أكثر من 29 عاماً، أنها غيّرت حياتي بالتمام والكلية. وفاتني أن أذكر في خضم هذا الاسترجاع لما حدث بهذا الخصوص أنني كنت وأنا أعمل على إنجاز مشروعي المعرفي المشار إليه أعلاه الخاص بعلاقتي بالدين والتديُّن أن وضعتُ أسس ما وقر في معتقدي حينها أنه المستقبل الذي أسعى للوصول إليه. ففي يوم 2/5/1986 انتهيتُ من تحديد ما ينبغي عليَّ أن أعمل جاهداً لتحقيقه لاحقاً وعندما تشاء الأقدار. فكان أن ولد ما أطلقتُ عليه حينها “مشروع كاليفورنيا”، والذي كان مطمحي من الحياة، وخلاصته أنني كنت قد وضعتُ ما أظنه السبيل للدعوة إلى الله في الغرب دعوةً فلسفية قائمة على الحجة والبرهان. وفاتني أن أذكر أيضاً في هذه العجالة أنني، وبعد أن مضت الأشهر ولم أجد نفسي قد وجدت الحل المنشود، وضعت لنفسي سقفاً زمنياً إن لم أتوصل عنده إلى الحل فسوف أتوقف عما كنت أقوم به من قراءات وكتابة ضمن مشروعي المعرفي المشار إليه، لأتفرغ لعبادة الله ذكراً لله مادمتُ واعياً، وكان ذلك في الذكرى السنوية الأولى لمشروع كاليفورنيا، أي في 2/5/1987، وكان السقف الزمني محدداً بعام واحد، أي في 2/5/1988. والعجيب كما نلاحظ أعلاه أن الحل وصلني، ولم أصل إليه، قبل انتهاء مدة السقف الزمني، وذلك في 14/4/1988! وأختم قصتي هذه مع التصوف بما حدث يوم 24/3/1989، أي بعد حوالي العام على مبايعتي أستاذ الطريقة. ففي هذا اليوم طلبتُ من أستاذي أن يجيزني بإجازة الإرشاد، أي بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ هذه الإجازة التي لولاها ما كان أن تكون لي قصة مع الظواهر الخارقة، والتي أسميتها “تجربة كليفلاند” وذلك بعدها بحوالي عشر سنوات في 1/7/1999.

أضف تعليق