موقفٌ صوفيٌّ صريح من انفصال كردستان القبيح

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

52b26019f64d384894d45885b51334d9

جاءني صاحبٌ لي وهو في حيرةٍ من أمره يقلب أخماسٍ لأسداس. جاءني يسألني الرأي السديد والقول الفصل فيما انشغل به الناس هذه الأيام بخصوص انفصال كردستان عن العراق العربي العظيم. ولما لم يكن في نيّتي أن أصرّح له بما كان يعتمل في قلبي من حزنٍ على ما آل إليه مآل هذا البلد، فقد آثرتُ أن أشير فلا أعبِّر، وألمّح ولا أصرّح، لعله أن يكتفي بهذا ويكون بذلك حليماً لبيباً! فقلتُ متكلاً على من لا يخيبُ من أوكل أمره إليه: ورد في الأثر أن أحدهم كان قد هالهُ ما آل إليه أمر المسلمين وهم يستعدون لمقاتلة بعضهم البعض عشية موقعة الجمل؛ فهذا عليٌّ كرّم الله تعالى وجهه الذي هو من هو، وهؤلاء هم صحبٌ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأي الفريقين أحقٌّ أن يُتَّبع والأمرُ الآن جدٌّ لا هزل، فأما أن تكون مع هذا وأما أن تكون مع هؤلاء. فعنَّ لصاحبنا هذا أن يجيء علياً كرّم الله تعالى وجهه يسأله النصح والإرشاد في هذا الشأن. فما كان من سيدنا علي إلا أن أجابه بقوله الشهير: “لو عرفتَ الحق لعرفتَ رجاله”. نظرتُ بعد أن أوردتُّ هذا المأثور إلى صاحبي ظاناً أنه قد فهم ما كنتُ أرمي إليه، أي أن الأمر شبيهٌ بما ورد في الأثر بخصوص أي الفريقين أحقُّ أن يُتَّبع عشية موقعة الجمل. إلا أن صاحبي ظل على حيرته عاجزاً عن أن يكونَ بمقدوره تحديد الموقف الشرعي الصحيح من هذه المسألة. فما كان مني إلا أن اطَّرحتُ جانباً كل رغبة في التواري وراء الرموز والإشارات والتلميحات والأمثال، فقلتُ له: إن الأكراد الذين أدلوا بأصواتهم مؤيدين انفصال كردستان عن العراق قد اقترفوا جنايةً ما بعدها جناية. فقد نسى هؤلاء أنهم لم يكونوا يوماً أصحاب هذه الأرض التي يطالبون اليوم بها باعتبار أنها وطنهم وبلدهم! لقد نسى هؤلاء أن العراق قد استضافهم من بعد رحلتهم الطويلة التي قطعوها من الإندستان بحثاً عن أرضٍ تؤويهم فكان أن أنزلهم ضيوفاً أعزاء ثم أخوة ثم وطّنهم فأصبحوا مواطنين. فلا هم من هذه الأصقاع ولا هم من هذه البقاع حتى يطالبوا بها موطناً لهم. والدليل لغتهم. فهل نسوا أن لسانهم هندي-أوروبي يستوون في ذلك مع غيرهم من الشعوب الهندو-أوروبية من طليان وجرمان وفرس؟ إن هذه الأرض التي يتكلم أهلها لغات متحدرة كلها جميعاُ من أصل سامي واحد هو اللغة العربية الأم لم تكن يوماً أرض الكرد الذين هم آريون شأنهم في ذلك شأن الأوروبيين والفرس الأعاجم. ثم أن كردستان العراق قد آوت الكثير غيرهم من الأقوام الذين هجّوا إليها هرباً من ظلم الحكام ومن ظلم غيرهم من الأقوام على مر العصور. فالكثير من العرب الأقحاح كانوا قد فرّوا إلى كردستان قبل مئات السنين بحثاً عن الملاذ الآمن، ومنهم الكثير من الأشراف من آل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين اختلطوا مع أهلها حتى أصبحوا اليوم يتكلمون لسانهم ويتزيّون بزيّهم. فالأرض عربية حتى النخاع ولا يمكن لمن سكنها من غير العرب أن يعجّموها أو يكرّدوها أو يفرّسوها وإن ظنوا خلاف ذلك. إن هذا النفر من الأكراد المطالبين بانفصال كردستان عن العراق العربي العظيم قد نسوا أيضاً أنهم إن كانت لهم مشكلات مع الحكومات التي حكمت العراق فلا ينبغي أن تكون لهم مشكلة على الإطلاق مع العراق. فالعراق أكبر من حكامه ولا ينبغي أن يعاقب العراق ويؤخذ بجريرة حكامه وظلمهم. لذا، فالقول الفصل في هذا الأمر هو إن الانفصاليين ما هم إلا ضيوف قابلوا الإحسان بالإساءة وطمعوا في الدار من بعد أن امتلأت بطونهم بزاد أهل الدار.

أضف تعليق