بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
قد يوحي هذا العنوان لمقالتي هذه أني أنتصر لرأي الملالي القائلين بأن الإنسان قد خُلق خلقاً لحظياً دونما حاجة لملايين السنين من التطور البايولوجي كما يزعم داروين ومن لف لفه. غير أن الأمر خلاف ذلك بالتمام والكلية. فالله الواحد القهار قادر على أن يخلق الإنسان خلقاً لحظياً وذلك كما علّمنا القرآن العظيم بأن أمره عز وجل إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. والله قادر أيضاً على أن يخلق الإنسان خلقاً من بعد خلق في تطورٍ هو في حقيقته تطوير طوراً من بعد طور. إن القول بأن التطور حقيقة من حقائق هذا الوجود لا يحتاج إلى أي برهان. فكل ما حوالينا من نبات أو حيوان إذا ما نظرنا إليه بعين التدبر والتفكر فإننا لابد أن نرى فيه من الأدلة والبراهين ما يقطع بأن الإنسان والنبات والحيوان من عائلة واحدة هي عائلة الحياة البايولوجية. لقد طوّر الله الإنسان من البدايات البدائية البسيطة إلى هذا الكيان فائق التعقيد في سنوات أخالها ملايين، وهذا لا يقدح في عظيم قدرة الله عز وجل البتة. إن إرادة الله عز وجل أن يكون الإنسان نتاج هذا التطوير، أي الخلق طوراً من بعد طور، جعلت منه بهذه الصفات والمواصفات التي ما كان له أن يحوزها إذا ما كانت إرادته عز وجل لتقضي بأن يكون خلقه خلقاً لحظياً آنياً. وهنا نستذكر الآية الكريمة من سورة آل عمران (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). لنتدبر جيداً، وجيداً جداً، المقطع القرآني الكريم (آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ). إذاً فالله خلق آدم من تراب، إذاً هناك خلقة كانت لآدم حازها بهذا الخلق ثم صيّره الله آدم بأن قال له “كن فيكون”؛ فهي خلقة من تراب ما كان لها أن تكون آدم لولا “كن فيكون”. وهذا هو معنى التدخل الإلهي المباشر في خلقة الإنسان الذي، وعلى عكس ما يتوهم داروين ومناصروه، لم يكن له لتطأ قدماه هذه الأرض لولا سابق ذلك التدخل.
