“ولسوف يعطيك ربك فترضى” يا من نادى ربه “لك العتبى حتى ترضى”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 

لعلى خلق عظيم

لعل أبرز ما يميز الإنسان عن غيره من الموجودات العاقلة و”غير العاقلة” في هذا الوجود، خلاف أنه كثير الشكوى والتذمر، أنه كائن لا يسأم من المعاتبة؛ فهو يعاتب الكل على الصغيرة والكبيرة. وإذا كان الإنسان يتصف بهذا القدر غير السوي من الإشفاق على الذات الذي جعله دوماً يعاتب الكل، فإنه قد بلغ في هذا العتاب مبلغاً جعله يتطاول على من هو العلة في وجوده وبقائه؛ فتراه معاتباً ربه عز وجل دائماً أبداً فلا يشبع ولا يقنع. وبذلك يكون هذا الظلم من جانب الإنسان من بين أهم ما يميّزه طفلاً كان أم كبيراً، غنياً كان أم فقيراً، جاهلاً كان أم متعلماً. فالكل، إلا ما رحم ربي، في معاتبة الكل سواء! الإنسان عندي إنسانٌ ناقص غير كامل ما دام هو متصف، لا محالة، بهذه النقائص التي صار بها ومعها “الإنسان المعاتب”. غير أن بني آدم ليسوا سواء. فالقليل منهم هو الذي شذ عن هذا الذي توافقت عليه أهواء الغالبية العظمى من البشر. وقارئ “دعاء الطائف” لابد وأن تأسره كلماته الوجيزة البليغة والتي تذكره دوماً كلما قرأها بهذا الأدب الجم الذي تميز به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. أليس هو من قال: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”؟ ويبلغ الأدب المحمدي مع الله عز وجل قمته في الكلمات الأخيرة من هذا الدعاء العظيم. تدبر هذا الأدب الأصيل إذ يقول صلى الله تعالى عليه وسلم “لك العتبى حتى ترضى”، أي “لك أن تعاتبني ما شئت إلى ما شئت وليس لي إلا أن أرضى بهذا العتاب منك لي حتى ترضى عني”. فأي أدب أبلغ من هذا بين نعم العبد ونعم الرب؟ لازلتُ أذكر أنني كنت دائم الإشارة إلى خاتمة دعاء الطائف على أنها البداية الحقيقية للتصوف. فالإنسان المتصوف هو الذي يسقط عن قلبه غشاوة العتاب والمعاتبة للخلق ولرب الخلق. لقد كان دعاء الطائف البداية الحقيقية للتصوف، وكان أيضاً الصفحة الأولى في سِفْر الحقيقة المحمدية التي هي حقيقته صلى الله تعالى عليه وسلم وملحمة ارتقائه من الطين الآدمي إلى النور الإلهي جهاد نفس ومجاهدة. فكان أن صيّرته هذه المعاناة إنساناً كاملاً بمعنى الكلمة.

أضف تعليق