بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كان عام 1978 متميزاً بالكثير الكثير مما كان له أبلغ الأثر في صياغة ما أصبح لاحقاً البنيان العقائدي لمشروعي المعرفي. ففي ذلك العام أيضاً وقع بين يدي كتاب “أصول الدافع الجنسي” للكاتب الانكليزي الشهير كولن ويلسن. وكان هذا الكتاب فاتحة هوَسي بمؤلفات هذا الكاتب المبدع. لذلك فقد حرصت من بعدها على أن أشتري من مكتبات بغداد جميع ما كان معروضاً فيها من مؤلفاته. وكان من بينها كتاب “سقوط الحضارة”، الذي ترجم عن الأصل الإنكليزي الذي كان بعنوان Religion and the Rebel. لقد كان هذا الكتاب أول عهدي بهذا الذي غدا لاحقاً لازمةً متكررة الظهور في حياتي، وذلك إلى جانب ظهور آخر قريب منه هو “إنهيار الامبراطورية الأمريكية”، والذي تنوعت مساقات ظهوره في المقالات والكتب والأفلام، فمنها ما كان يشير إليه على أنه The Fall of the American Empire، ومنها ما كان يشير على أنه The Decline of the American Empire، وأيضاً The Decadence of the American Empire. وكان، وخلال العقود الأربعة المنصرمة، أن قرأت الكثير الكثير في هذا المجال حتى أصبحتُ أرى في الأمر صدقية جعلتني أنظر إلى هذه الإمبراطورية بعين تراها آيلةً إلى السقوط والانهيار لأسباب قد تتفق مع ما جاء في كتب من سبقني إلى ذلك ليصبح هذا الموضوع أقرب ما يكون إلى الحدس بأن يوماً ما، قريباً كان أم بعيداً، سيتحقق فيه هذا الانهيار. ولقد عزز هذا عندي ما انتهيتُ إليه في مشروعي المعرفي الذي أصبحتُ أرى فيه تناشزاً بيّناً مع المشروع المعرفي للحضارة الغربية المعاصرة بإمبراطوريتها الأمريكية؛ هذه الحضارة التي أعرضت عن كل ما لا يمكنها أن تستوعبه تعليلاً وفقهاً وتفسيراً لتقيم بذلك بنيانها العقائدي على أساس من انتقائية سمجة وغبية. إن العلم الحقيقي لا يمكن أن يعرض عن أية ظاهرة من ظواهر الوجود، ولأي سبب كان، حتى وإن لم يكن بمقدور منظومته المعرفية أن تستوعبها بالفقه والتعليل. فعلى العلم أن يكون على الدوام منفتحاً لاستقبال أية ظاهرة حتى وإن كانت تتميز بالقدرة على تحدي منظومته المعرفية وهز أركانها بل وجعلها تنهار ليتم بناؤها من جديد من بعد تقبل هذه الظاهرة. على أي حال، فحدسي يقول إن الامبراطورية الأمريكية، بعنجهيتها وإصرارها على أنها نهاية التاريخ، تغذ السير على الطريق إلى انهيار مدوٍّ كما كان هو الحال مع ما سبقها من امبرطوريات فرح أهلوها بما عندهم من العلم وظنوا أنهم قادرون عليها.
