بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا يمكن لي أن أخوض في موضوع الحب فأتحدث عن تحديد له يعرّفه على ما هو عليه حقاً، حتى لا يذهب واحدنا في توهمه مذهب من يظن أن له وجوداً حددته مخيّلة ومظان الغالبية العظمى من بني آدم، دون أن أعرج على الماضي التطوري للإنسان.
كنت قد تحدثت عن التطور باعتباره تطويراً أكثر منه تطوراً؛ بمعنى أنه ليس خاصية ذاتية قدر ما هو فعلٌ مفروضٌ على الذات من خالقها الذي خلق كل شيء فأتقنه. فما كان التطور يوماً ثمرةَ مخيلة داروين حتى يكون لنا من بعد أن نرفضه، جملةً وتفصيلاً، ظناً منا أننا بهذا إنما ننتصر لله عز وجل ولدينه الحق! فالتطور سنة الله في خلقه فرضه على الحياة البايولوجية وألزمها إياه فلا تحيد عنه قيد أنملة. والتطور، إذ هو من سنن الله في هذا الوجود، إنما هو قانون حدد به الله إنفاقه على مفرداته البايولوجية دونما هدر أو إسراف، وبلا إمساك أو تقتير، بل هو تقدير العزيز العليم الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي خلق كل شيء بمقدار، والذي أنزل كل شيء بقدر، والذي أنبت في الأرض من كل شيء موزون. إذاً فهو التقدير والوزن دونما زيادة أو نقصان. وهذا هو قانون “الاقتصاد في الطبيعة” الذي بإمكاننا أن نقع فيها عليه إذا ما نحن نظرنا إليها بعينٍ تراها على غير ما توهمنا به خيالاتنا فلا تكون إلا كما أرادها الله لها أن تكون. فالطبيعة إذا ما خلق الله موجوداتها الحية خلقاً منفصلاً، دون أن يكون هذا الخلق تطورياً، كانت لتستهلك إنفاقاً لا مبرر له على الإطلاق. وكان الأمر، بهذا الهدر والإسراف، ليتناقض مع ما يتصف به فعل الله في الوجود من تقدير بلا هدر ولا تقتير. والعجيب العجيب أن الملالي، الذين فرضوا وصايتهم الفكرية على الدين فحرّموا القول بالتطور، قد فاتهم أن هذا التحريم منهم بالقول بأن الإنسان قد تطور عن الحيوان ينبغي أن ينسحب على كل حيوان فيكون بذلك كل حيوان قد خُلق خلقاً مستقلاً فلا يكون بذلك قد تطور من حيوان آخر! ولك أن تحسب كم من الصرف والإنفاق كان للطبيعة الحية أن تستهلكه من الفعل الإلهي حتى يتسنى لموجوداتها أن يكون لها وجود! بينما كان الأمر ليتطلب إنفاقاً أقل بكثير جداً من هذا، وذلك إذا ما كانت موجودات الطبيعة الحية لتنشأ بتطور بعضها عن بعض. إذاً فهو التطوير الإلهي سنة الله في خلقه فرضه على الوجود الحي بايولوجياً فلا يستطيع أن يفلت من محكم قبضته عليه. وإذا كان التطور البايولوجي سنةً إلهيةً من سنن الله في خلقه، فإنه سيقتضي أن تسلك الموجودات الحية بايولوجياً في دورة حياتها مسلكاً ليس لها أن تخالفه أو تحيد عنه. ولأن الحياة البايولوجية ديدنها الذي جبلها الله عليه هو الازدهار والانتشار، فإن الكائنات الحية بايولوجياً كان مقدراً عليها، سنةً وقانوناً، أن تلزم خدمة النوع وذلك بأن يكون البرنامج التصميمي لها يقضي بأن تندفع اندفاعاً لا قدرةَ لها على التصدي له إلى تكثير هذا النوع إنتاجاً وإنجاباً لأفراد جدد يعملون هم بدورهم وفق هذا البرنامج لتمتلأ الأرض حياةً بايولوجية وفق ضوابط النشر والانتشار التي حدد الله بها الطبيعة بمحددات التناغم والتوازن بحكمة ليست كمثلها حكمة ما دام هو الله الذي ليس كمثله شيء. وكان أن قضى هذا البرنامج التصميمي على الكائنات الحية أن يكون الدافع الأسمى والأقوى الذي يحركها في الوجود الحي هو تلك الهمة والإرادة القاضية بأن تعيش وتحيا لتنفيذ إرادته بحذافيرها لتكون بالتالي إرادة الفرد هي ما يريده لها النوع بهذا التسليط الرباني لذلك البرنامج التصميمي. ومن هنا كان الدافع الجنسي بهذه القوة وبهذا التسلط الذي ضمن الله به للوجود الحي انتشاراً جعل الحياة البايولوجية أهم ما يميّز كرتنا الأرضية عن ترليونات الموجودات في هذا الكون الذي، وعلى ما يبدو، لا حياة بايولوجية فيه إلا على أرضنا هذه. إن هذه المقدمة ضرورية جداً ليتسنى لنا من بعدها أن نتبين الأصل البايولوجي للحب باعتبار أن ما يجعل ذكر الإنسان وأنثاه يقعان فيه ليس لهما عليه من سلطان يحول دون وقوعهما فيه. فالذكر مفروض عليه أن ينفذ إرادة النوع كما هو مفروض على الأنثى. والحب إذاً هو إرادة النوع وقد توهمها الفرد إرادته فخيِّل إليه معها إنما هو المحب. لقد فرض هذا البرنامج التصميمي على الإنسان، ذكراً وأنثى، أن يكون سعيه الدؤوب ملزماً له بالوقوع في الحب ما دام هذا الوقوع هو الذي سيكفل حصول النوع على أفراد جدد؛ فكان أن أصبح للحب هذا السلطان على البشر. ولنا أن نعي مدى هذه السلطة وذلك إذا ما نحن تدبرنا الحب وقلّبناه على كل وجه تسنى لبني آدم أن يظهروا به بمعاناتهم منه. أوضح أكثر فأقول إن الحب، إذ يتحول هياماً فغراماً فعشقاً، إنما هو القانون الذي فرضه النوع على الفرد ليضمن بذلك، بهذه التحولات، أن لا يكون بوسعه الانفكاك من محكم قبضته. فما أن يشرع المرء بأن يخطو خطواته الأولى إلى فخ الحب هذا حتى يتدخل النوع فيجعل منه عاجزاً عن أن تكون له إرادة مخالفة لإرادته القاضية بوجوب المضي قدماً لإتمام مشروعه التكثيري زواجاً فإنجاباً. ومن بعد هذا، لا أظن أنني بحاجة لمزيد جهدٍ لأبين مقدار الوهم الذي وقعنا فيه إذ ظن واحدنا أن لا إرادة سبقت إرادته فصيَّرته محباً مغرماً عاشقاً!
