بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
ما هي ظواهر التزامن؟

لعل الظواهر الخارقة للعادة هي أبلغ رسالة يوجِّهها اللهُ على الدوام إلى بني آدم تحدياً للعقل الانساني أن يتعامل معها بمنظومته الفكرية وبما يكفل له أن يقع على تفسيرٍ لها يتمكّن بواسطتها من أن يستوعب هذا الخروج منها على القانون الذي توهّمه قانون الوجود الذي لا حيود له عن بنوده وموادِّه! وهذه الظواهر الخارقة للعادة والمألوف تتنوّع طوائفَ شتّى. فهي لا تدع مجالاً للعلم الإنساني ليتنفس الصعداء فرحاً بما تسنّى له إنجازُه من تسلُّطٍ معرفي على الوجود ومفرداته. ومن بين أكثر تجليات الظواهر الخارقة للعادة قدرةً على إلحاق الأذى بالمنظومة المعرفية الإنسانية تبرز ظواهرُ التزامن (المتزامنات) وحدها فلا حاجة لها لظواهر خارقة للعادة غيرها كيما يكون بمقدورها مناجزة هذه المنظومة والانتصار الساحق عليها إعجازاً لها عن أن يكون بوسعها أن تستوعبها تأويلاً وتفسيراً يُحيلان ظهورها العجائبي الغرائبي ظهوراً بوسع العلم النظري المعاصر التعامل المعرفي معه وبما يكفل للعقل الإنساني ألاّ يظل حيالها فاغراً فاهُ عاجزاً عن فهم هذا الذي يحدث فيها من خرْقٍ بيّنٍ لكل ما درج عليه من مواظبةٍ على النظر الى الوجود بعينٍ لا تراه إلا مستقراً على دعامتَي العادة والمألوف!
ولكن هل من تعريفٍ يُلقي الضوء على ظواهر التزامن هذه، وذلك ليتسنّى لنا الوقوع على ما يجعل منها ليست كباقي ظواهر الوجود غير الخارقة للعادة والمألوف انضواءً تحت لواء التدخُّل الإلهي غير المباشر؟ لعل أبرز ما يميز هذه الظواهر عن غيرها من الظواهر أن واحدتها مُكوَّنة من تشارُك حادثتين، على الأقل، في صياغة مادتها التي لا قيام لها إلا على أساسٍ من هذا التشارك. فظاهرة التزامن تختلف إذاً عن غيرها من ظواهر الوجود بهذا الاستناد منها الى قاعدةٍ قوامها مُكوّن من حادثتين، على الأقل، يتوجّب حدوثهما ليتسنّى لهذه الظاهرة المركبة أن تحدث. وهذا ما يجعل من ظاهرة التزامن ظاهرةً فريدة حقاً. فكل ظاهرة من ظواهر الوجود، خلا ظاهرة التزامن، تمتلك وجوداً قائماً بالاستناد الى مفرداتها هي بالذات دونما حاجة لتشارُك ظاهرة، أو ظواهر، أخرى معها في صياغة مادتها المكونة لها؛ هذه المادة التي تحمل الى الوعي الإنساني رسالةً محمّلةً بمعناها الذي يُجلّيه له حدوثُها. إن ظاهرة التزامن بهذا التكوُّن من ظاهرتين أخريين، على أقل تقدير، هي ظاهرة مُركَّبة وليست كغيرها من الظواهر التي ألِفنا التعامل المعرفي معها على أساسٍ من كون واحدتها ظاهرة مفردة مستقلة بذاتها كما تبدو لوعينا. إلا أن هذا بكل تأكيد وهمٌ يقع فيه الوعي الإنساني العاجز عن تبيُّن استحالة قيام ظاهرة ما على أساسٍ راسخٍ من الفردية التامة والاستقلالية المطلقة! فكل ظاهرة من ظواهر الوجود لا وجود حقيقياً لها إلا بقيامها على أساسٍ متينٍ من التشارُك مع كثير غيرها من الظواهر. وهذا ما كشفه لنا العلمُ التجريبي-الاختباري من بعد أن بيّنه لنا جلياً واضحاً التعمُّقُ في تحليل الظاهرة قيد الدرس إرجاعاً لها لمفرداتها الأولية المكوِّنة لها. فلا وجود في هذا الوجود لكائنٍ ما ذي هوية فردية قائمة دونما استنادٍ لكائنات أخرى كثيرة غيره. إلا أن هذا لا يعنينا كثيراً الآن ونحن نتدارس ظاهرة التزامن؛ هذه الظاهرة التي لا تملك ما يجعل منها تستأثر باهتمام الوعي الإنساني لولا تشارُك ظاهرتين، على الأقل، في صياغة مادتها. لذا فظاهرة التزامن، بهذا المعنى، ليست كباقي ظواهر الوجود كما اعتاد هذا الوعي أن يتعامل معرفياً معها. ولكن هل هذا التشارُك هو كل ما هنالك من خصائص رئيسية بها تفرّدت ظاهرةُ التزامن كما يعيها وعي الانسان؟ هناك أيضاً غير التشارُك هذا التقارُب، بل وحتى التطابُق، في زمن الحدوث لكل ظاهرة من الظواهر التي تُشكّلُ مجتمعةً ظاهرة التزامن. وهناك بعدُ التقارب، بل وحتى التطابق، في مفردة، أو أكثر، من المفردات المكوِّنة لكل ظاهرة من الظواهر التي تتشكَّل من تشارُكها ظاهرةُ التزامن. إن أكثر ما هو غريب بخصوص ظاهرة التزامن هو أن مفرداتها المتقاربة، أو المتطابقة، ترِد في سياقات حدوث مختلفة واِنْ كان هذا لا يحول دون تقارُب، بل وحتى تطابُق، زمان حدوثها! وهذا ما يجعل من هذه الظواهر مُحمَّلةً بمعنى ليست تنافسُها في حمله إلا تلك الظواهر الخارقة للعادة والتي هي من قبيل ما يُصنَّف على أنها ظواهرٌ رسالية أو ظواهرٌ هادفة. إن هذا الظهور العجائبي لمفردة، بل وحتى أكثر، في سياقات حدوث مختلفة وبزمان حدوث متقارب، وفي كثير من الأحيان جد متقارب حد التطابق، يستدعي من العقل الإنساني أن يتساءل عن هذا الذي ما كان، لولا حاضر وسابق تدخُّله، لظاهرةٍ كهذه أن تَحدُث خرْقاً بيّناً لكل ما ألفناه من حوادث وظواهر لا تستدعي منه هكذا تساؤل!
فكيف تسنّى لظاهرتين، أو أكثر، أن يتقارب زمن حدوثهما بهذه الكيفية التي جعلت من مفردة، وحتى أكثر، من مفرداتهما تتّخذ لها سياقَي حدوث مختلفَين تمام الاختلاف على الرغم من تشارُكهما في ذات هذه المفردة؟ إن الأمر المثير للدهشة في ظواهر التزامن هو هذا الذكاء المتلطِّف استخفاءً والمتجلّي هيمنةً على مقاليد الوجود حتى لا يعود بوسع مَن كان سليمَ العقل غيرَ سقيم التفكير، وهو يشاهد ما يحدث أمامه من مُطلَق تحكُّم بعَنان الواقع، كما تُجلّيه بكل وضوح ظواهرُ التزامن هذه، أن يخرج من تجربةٍ فريدةٍ كهذه إلا وهو مستيقن الفؤاد بأن هذا الذي كان شاهداً عليه ما كان له أن يحدث لولا هذا الذكاء الخارق لكل ما ألفناه من تجلّيات ذكائية والمتغلغل في كل مفردة من مفردات هذا الواقع مُطلقَ إمساكٍ بهذه المفردات في يمينه التي طوت داخلها الوجود بكل موجوداته ظاهرها وباطنها معلومها ومجهولها. فلولا هذا الذكاء المهيمن على مفاتِح الغيب والشهادة، هل كان بوسع ظواهر التزامن أن تُحدِث هذا الصدْع الهائل في البُنية المعرفية للفكر الإنساني وهي تضطره لمواجهة التحدّي الذي يمثِّله عجْزُه عن تفسير ما يحدث فيها من خرْقٍ بيِّن لمفرداته التي تشكّلت منها منظومتُه العقلية وهي تتفاعل مع ما هو غير خارقٍ للمألوف الذي درجت على النظر إليه بعين العقل؟! إن ظاهرة التزامن تطالِب العقل الإنساني بالتوقُّف حيالها ليتفكّر في الرسالة التي يوجِّهها إليه هذا الذكاء اللابشري بكل تأكيد.
فما الذي يريده هذا الذكاء، الإلهي بالضرورة، وهو يضطر الوجودَ الى التشكُّل وفق إرادته، الإلهية لا محالة، بهذه الكيفية التي تتجلّى في كل ظاهرة من ظواهر التزامن؟ إن كل ظاهرة من هذه الظواهر الخارقة للعادة والمألوف لا يمكن أن تحدث لولا هذا التدخُّل الإلهي المباشر في سير أعمال الوجود إعادةَ صياغةٍ للكثير جداً من أنماط علائق مفرداته وذلك كيما يتسنّى لهذه الظاهرة أن تحدث. فالوجود، دون تدخُّلٍ إلهي مباشر في مجريات أحداثه وظواهره، مستقرٌّ بما بثَّه اللهُ فيه من جبال الأسباب؛ هذه الجبال الراسيات التي لولا تواجدها في الوجود لما كان بمستطاع موجوداته أن تصمد لحظةً واحدة أمام النور الإلهي الذي وسع الوجود كله من أقصاه الى أقصاه تغلغلاً وإحاطةً لا قدرة لموجود على الاختفاء عنهما. فظواهر الوجود معظمها نِتاجُ تدخُّلٍ إلهي غير مباشر من وراء حجاب جبال الأسباب هذه. وهذا هو السبب في كون ظواهر الوجود غالبيتها العظمى لا تُلزِم العقل غير المؤمن بالله بوجوب القول بوجود الله! إلا أن كل ظاهرة من ظواهر التدخُّل الإلهي المباشر في مجرى أحداث الوجود ليس لأي عقل سليم، حتى واِنْ كان غير مؤمن بالله، إلاّ يوقفه هذا العجْزُ منه عن استيعاب ما يحدث فيها من خرْقٍ بيِّنٍ لمألوفاته ومعتاداته. إن ظواهر التزامن، وغيرها من ظواهر التدخُّل الإلهي المباشر، تُلزِم العقل السليم هذا بوجوب القيام بمراجعةٍ لكل ما درج على الأخذ به من ضوابط للتفكير وذلك لفرْط ما تواجهه به من تحدٍّ لا سبيل له للنجاح في اجتيازه إلا بتنازله عن غرور العقل الإنساني؛ هذه الآفة الوبيلة التي هي السبب في هذا الذي آلت إليه حضارةُ الإنسان الموشك على السقوط في هاوية لا قرار لها إلا في الجحيم. فهل نعود الى الله بمركب هذه الظواهر التي لا نجاة من الغرق في بحر ظُلُمات الجهالة والمعرفة الزائفة إلا بالصعود إليها من بعد تمام التنازل عن سابق نظرتنا إلى الوجود؛ تلك النظرة التي أعمتنا عن رؤية الحقيقة لفرْط ما أوجبته علينا من ضرورة التمسُّك بها نظرةً أحاديةً وحيدةً لابد من الأخذ بها وإلا فنحن همجٌ رعاعٌ؟ إن ظواهر التزامن طريقُنا إلى العودة إلى الله إذا ما نحن أحسنّا التمسُّك بها وقوعاً على ما ضمّنه اللهُ في مادتها من معانٍ استوجبت سابق وحاضر تدخُّله المباشر في سير أعمال الوجود تمهيداً وإعداداً لحدوثها الخارق للمألوف هذا. فظواهر التزامن أبداً لن يكون بمقدور العقل الإنساني التعامل المعرفي معها وبما من شأنه أن يكفل لمنظومته المعرفية أن تستوعبها كما تستوعب معظم ما يحدث من ظواهر غير خارقة للمألوف في هذا الوجود. إن كل ظاهرة من ظواهر التزامن هي رسالةٌ موجّهة من قِبل الذكاء الإلهي إلى من كان له الحظ العظيم في مشاهدتها تحدث أماماً من ناظريه. لذا كانت دراسة ظواهر التزامن هي السبيل للتعرُّف إلى تجلياتٍ للذكاء الإلهي متجدّدة على الدوام بتجدُّد وتنوُّع هذه الظواهر الخارقة للعادة وهي لا تني تحدث بين الحين والآخر رسائلَ اهتمام إلهي بهذا الإنسان علّه أن يلتفت إليها فيتوقّف عندها متسائلاً عن كيفية حدوثها ومتوصِّلاً بذلك، إِنْ هو أعمل عقله من غير خضوعٍ للنفس وهواها، إلى أن هناك مَن يكترث به، وأن هذا المكترث بشأنه لابد وأن يكون ذا ذكاء ليس كمثله ذكاء، وقوةٍ على التغلغل في مفردات الوجود ليس كمثلها قوة، مادام قادراً على أن يُعبِّر عن مطلق هيمنته على هذه المفردات وبما من شأنه أن يجعل من هذه الظواهر الخارقة للعادة تحدث على الرغم من مقتضيات العقل وأحكامه! إن ظواهر التزامن لا تكشف النقاب عن هوية مَن يقف من وراء حدوثها المعجز هذا بهذا الحدوث لها فحسب، واِنْ كان حدوثها هذا يتطلّب لامحالة تواجداً لذكاءٍ خارق لكل ما نعرفه من ذكاء ولقدرة ليست كمثلها قدرة على الإحاطة بالوجود بكامل موجوداته. فهذه الظواهر تبرهن على عائديتها الى الله بتلاحُق حدوثها وزيادة معدل تنوُّعها شريطة التزام المرء بالسير على الطريق الإلهي الى الله منضبطاً بضوابط القرآن العظيم المنظِّمة لعلاقة العبد بالرب. إن الدراسة التجريبية-الاختبارية لظواهر التزامن بمقدورها أن تبرهن على أن المسؤول عن حدوثها لابد وأن يكون هذا الذي لولا صائب التزام المرء بالسير على الطريق إليه منضبطاً بهذه الضوابط المنهجية التي بيّنتها آياتُ قرآنه العظيم لما كان لهذه الظواهر أن تحدث ولما كان لها أن تتلاحق وتتنوّع أصنافاً لا سبيل لحصرها والإحاطة بها. لذا فان ظواهر التزامن هي خير وسيلة للتثبُّت من أن هنالك حقاً مَن هو قادر على استيعاب الوجود بكل ما فيه ومَن فيه داخلاً من مُحكَم قبضته التي لا يستطيع أيُّ شيء مهما دقَّ أو عظُم أن يفلت منها سواءً كان ذرةً أم مجرّة! فلولا كونها من ظواهر التدخُّل الإلهي المباشر في سير أعمال هذا الوجود، هل كان لظواهر التزامن أن تحدث بهذا التلاحق والتنوُّع بمجرد التزام المرء بالسير منضبطاً بضوابط العلاقة المثلى للعبد بالرب كما بيّنتها وفصّلتها آياتُ القرآن العظيم؟ إن المتزامنات لا تحدث عفوياً ومن دون أن يكون هنالك مقصد من وراء إحداثها. ولعل في حادث الغراب في الآيات الكريمة من سورة المائدة، التي استهللت بها هذه التوطئة، خير مثال على ظواهر التزامن؛ فالناظر إلى الحدث، ما لم يكن ذا قلب مؤمن، يرى متزامنة مجيء الغراب الذي يبحث في الأرض بعد أن قتل إبن آدم أخيه، فعلّمه كيف يواري سوءة أخيه، مجرد صدفة، في حين أن الله تعالى يبيّن لنا هنا أنه هو من بعث هذا الغراب لكي يُري إبن آدم كيف يواري سوءَةَ أخيه!!
