الإعجازُ العلمي للقرآن العظيم…  هل هو قرآنيٌّ حقاً؟!

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

الاعجاز العلمي 3

يتوهّم كثير من المهتمين بالدراسات القرآنية المعاصرة بأن الإعجاز العلمي للقرآن العظيم هو لا أكثر من تبيان اوجه التوافق ما بين علوم العصر وما حواه هذا القرآن من معلومات. ان هذه النظرة لتنطلق من خط شروعٍ “علمي” بأكثر من انطلاقها من خط شروعٍ قرآني! واِلا فلماذا لا يتحدث اصحاب هذه النظرة عما تضمّنه القرآن العظيم من معلومات ليس لعلوم العصر الا ان تقف منها، في أحسن الاحوال، موقف العاجز عن تصديق ما تسمعه اُذناه؟! فالعلم النظري المعاصر لن يوافق القرآن العظيم فيما اورده من حقائق قرآنية لا قدرة لمنظومته المعرفية على الاحاطة بها تعليلاً وتفسيراً يُتيحان له التمكُّن من استيعابها داخل قوالبه. فماذا يقول انصار الإعجاز العلمي اذا ما جابههم العلمُ النظري المعاصر بعجْزه هذا عن تصديق ما يقول به قرآن الله العظيم؟!

ان اقتطاع آياتٍ قرآنيةٍ كريمة ورد فيها ما يوافق حضارة هذا العصر والاقتصار عليها دون غيرها من آيات القرآن العظيم، مظنَّةَ ان يؤدي ايرادها هي الاخرى الى اعتراض العلم النظري المعاصر على ما جاء فيها من خرْقٍ لبُنيته المعرفية، لا يُمكن ان يكون الا سلوك مَن لم ينشغل قلبُه، تمام الانشغال، الا بالعلم الذي بين ايدي حضارتنا واِن كان لسانه لا يفتأ يردِّد خلاف ذلك بمواظبته على ترديد الآيات القرآنية الكريمة التي اكتشف بذكائه الخارق إعجازها العلمي! فلو كان صاحبنا صادقاً في توقيره للقرآن العظيم، كما هو حقيقٌ عليه ان يفعل مادام قد انتدب نفسه للدعوة اليه، اَما كان يجدر به ان يُبيِّن الحقيقة القرآنية، كما فصًّلتها واضحةً جليةً آياتُ هذا القرآن، دون اجتزاء او تبعيض ليس لهما اِلا ان يؤدّيا في النهاية الى نتائج عكسية؟! فحتى لو آمن لصاحبنا مَن لفت نظرَه الإعجازُ العلمي لآياتٍ من القرآن العظيم فان هذا “المؤمن” سرعان ما سيرتد على عقبَيه من بعد ان يُواجَه بآياتٍ قرآنية اخرى جاء فيها ما يُعجز العلمَ النظري لحضارة العصر عن ان يقول بشأنه الا بأنه كلام غير علمي!! ان العلم الجديد اذ يدعو الى تدبُّر القرآن العظيم فانه لا يُقدِّم للناس الا هذا القرآن تماماً كما انزله الله دون اقتطاع او اجتزاء او تبعيض! فمَن اراد ان يهتدي فله ان يفوز بالهداية تدبُّراً لكامل آيات القرآن العظيم. ان اجتزاء آيات قرآنية بعينها والاقتصار عليها دون غيرها من باقي آيات هذا القرآن ليسا ليختلفان في شيء عن “قرطَسة التوراة” على أيدي أهلها من أحبار وربّانيين لم يرعوها حق رعايتها اذ اشتروا بها ثمناً قليلاً كتماناً لشهادتها وإخفاءً لما حُمِّلته من حقائق تتعارض وما يدعون الناس اليه! {قُلْ مَنْ اَنْزَلَ الكتاب اٌلذِي جاءَ بِهِ موسى نوراً وَهُدىً لِلناسِ تَجعَلونَهُ قَراطيسَ تُبْدونَها وَتُخْفونَ كَثيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَم تَعْلَموا أنتُم ولا آباؤكُم قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُم فِي خَوْضِهِم يَلْعَبون} (الأنعام: من 91). فالخطاب القرآني المعاصر ليس له ان يُقدِّم قراءةً انتقائية للنص القرآني المقدّس تختار منه ما وافق العصر وتُعرض عن كل ما تضمّنه من معارف ومعلومات يعجز عصرُنا عن استيعابها لفرْط امتلائه من خرافات وأباطيل وأوهام وخيالات وخرْص وخَبالات وأساطير العلم النظري المعاصر! ان التدبُّر القرآني الصائب عاجزٌ عن مشاركة انصار “الاعجاز العلمي” سلوكهم الانتقائي طالما لم يكن بمقدوره ان يشاركهم تأليه العلم الذي بين ايدي حضارة هذا العصر لوجوب خضوعه لله الاله الواحد القهّار. لذا فان كل دعوة لتدبُّر آيات قرآنية كريمة دون غيرها من باقي آيات القرآن العظيم لا يمكن ان تكون دعوةً لتدبُّر هذا القرآن كما يريد الله. ان القرآن العظيم كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ بمعنى ان علم هذا العصر الذي بين ايدينا عاجزٌ عن ان يجد فيه ما ليس بحق عجْزَ كل عصر ابتداءً بذاك الذي كان بين يديه عندما انزله اللهُ على قلب رسوله الكريم محمد صلّى الله تعالى عليه وسلّم وانتهاءً بكل عصر وحتى يرث اللهُ الارض ومَن عليها {اِنَّ اٌلذِينَ كَفَرُوا بِاٌلذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَاِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ. لا يَأتيهِ الْباطِلُ مِنْ بينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِن حَكيمٍ حَميدٍ} (فُصِّلَت: 41-42). فكيف اذاً لا نقوم بما يُمليه علينا تصديقُنا بهذه الآيات الكريمة فندعو الناس لتدبُّر القرآن كل القرآن دون انتقاء لما يُلائم العصر واستبعاد لما لا تستسيغه المُعاصَرة؟! ان الأمر لهو اخطر من حديث يتناول الحداثة والمعاصرة والأصالة والتراث والتقليد! فالأمر يتعلَّق بالساعة التي قد جاء اشراطُها بنزول القرآن العظيم. فهل نَعي هذا ام تُرانا لا نُحسن غير تقليد مَن لم يُحسنوا التعامل مع العُهدة الالهية التي بين ايديهم وديعةً وذمّة؟! ان التفوق المعرفي للقرآن العظيم لا قدرة لمخلوق على التغافل عنه اذا ما هو تدبَّر النص القرآني المقدّس بعين عقلٍ حرٍّ من أية قيودٍ تفرضها عليه المنظومةُ العقلية لهذا الانسان العاجز عن النظر الى غير ذاته! فلماذا لا نقتصر عليه منهاجاً وحيداً للتعامل مع هذا القرآن وبما لا يجعل لله علينا حجّة يوم القيامة بإعراضنا عن كامل نصّه المقدّس اجتزاءً وتبعيضاً؟!

أضف تعليق