بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله صحبه وسلم تسليما
كنت قد ذكرت أن من يتوجب عليه أن يجري وراء الآخر هو العلم لا القرآن. وهذا الذي انتهيتُ إليه آنفاً ليس من باب التفاخر ولا التباهي بما عندنا مما يفتقر إليه غيرنا. فإذا صح لدينا أن القرآن العظيم هو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله أنزله تبياناً لكل شيء، وأنه، وكما وصفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم “كتابٌ لا تنقضي عجائبه”، فلستُ أدري والله لماذا هذا الإصرار منا على توسّل إعجاب العلماء. ثم إذا كان الأمرُ منوطاً بإيراد براهين وأدلة لنقتنع بها أننا قد سلكنا المسلك القويم باتباعنا القرآن العظيم، فليس هناك من مبرر على الإطلاق أن يكون للعلم على قلوبنا هذا السلطان الذي يجعلنا أكثر انبهاراً به من القرآن. إن الإصرار على مصطلح “الإعجاز العلمي للقرآن” فيه ما فيه من الإنجرار وراء ما ينبغي لنا أن نعرض عنه إذا ما كان المقصود من ولعنا بهذا هو مجرد تبيان أننا أفضل من القوم الذين نبغوا فأبدعوا هذا العلم ما دام القرآن قد سبق العلم بهذا الذي وصفناه على أنه إعجاز له. إن الحق القرآني لا ينبغي أن نتاجر به في سوق التفاخر والتكاثر هذا، ولنظن من بعدها أننا بهذا إنما نوفي القرآن ما له علينا من حق ومستحق! ثم لنعد إلى المصطلح ذاته لنتبين ما هو عليه من تناقض مع ما ظننا أننا قد وُفقنا به إليه. فالإعجاز العلمي للقرآن يعني لغةً، وبالحرف الواحد، أن العلم يعجز القرآن فلا يكون بوسعه، أي القرآن، أن يجاريه ناهيك عن أن يتفوق عليه! والحقيقة خلاف ذلك؛ فالقرآن العظيم هو الذي يعجز العلم فيجعله غير قادر على فقه واستيعاب وتقبل ما فيه من آيات كريمة تتناقض مع صريح منظومته النظرية. ولنا أن نتذكر ما حفل به القرآن في كل صفحة من صفحاته الشريفة من تحدٍّ لهذه المنظومة بهذا الإصرار منه على أن هناك في الوجود من الظواهر ما ليس للعلم إلا أن يقف حيالها عاجزاً عن تصديق ما يحدث فيها من خرق بيّن لما تواضع عليه واصطلح. فالأجدر بنا أن نصطلح على أن للقرآن إعجازاً ليس للعلم حياله إلا أن يُقر بعجزٍ مطلق. والحري بنا إذاً أن نقول إن الحق يقضي بأن هذا الذي انتهينا إليه يوجب علينا أن نقول: “الإعجاز القرآني للعلم” لا “الإعجاز العلمي للقرآن”، فهل هو القرآن الذي يقف عاجزاً أمام العلم أم العكس؟ إذاً فإذا أردنا أن نبقى في دائرة الإعجاز فإن علينا أن نصحح فنقول هو الإعجاز القرآني للعلم؛ هذا الإعجاز الذي لن يكون بمقدور العلم البشري إلى يوم القيامة، مهما تسامق وتحامق، إلا أن يقر بعجزه البنيوي التصميمي عن مجاراة القرآن لحاقاً بما جاء به من علم وعرفان ليس له إلا أن يطأطأ الرأس إقرار منه بهذا العجز وتطلعاً إلى ما يمكن أن يجود به عليه. على أنني، وعلى أي حال، أفضل أن ننحت مصطلحاً آخر لنتحرك ضمن دائرته بعيداً عن هذا الذي وقر في الإذهان مما ليس له علاقة بالحقيقة. فلمَ لا نشتق مصطلحاً جديداً نشير به إلى هذا الذي للقرآن من سبق وريادة وتفرد حازها كلها جميعاً لأنه كتاب الله العليم الخبير. أظن أن مصطلح “التفوق المعرفي للقرآن العظيم” سوف يتكفل بهذا. إذاً فهو التفوق المعرفي للقرآن العظيم على كل علم لمخلوق كائناً من يكون إلى يوم القيامة.
