بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لأعد إلى البدايات التي حتمت عليَّ أن أتفرغ بصورة شبه كلية لواحد من أهم مشاريع حياتي. والمشروع الذي أعني هو الموسوعة التي أطلقت عليها “الحواكم”. فبعد مضي أكثر من ثمانية عشر عاماً على هذه البدايات، وبعد أن اقترب المشروع من الاكتمال، لابد من أن أتحدث عن واحد من أهم المحفزات التي دفعتني إلى الانكباب على هذا المشروع. فلطالما كنت أجد في الموديلات التي بين أيدينا لتفسير القرآن العظيم تشابهاً مع تلك التي خرج بها علينا منظرو الفيزياء المعاصرة، وذلك على قدر تعلق الأمر بالنأي عن الحقيقة التي يزعم هؤلاء المفسرون والمنظرون أنهم لا ينطقون إلا بها! على أي حال، في الأول من شهر تموز-يوليو 1999 كنت في مدينة كليفلاند الأمريكية للقيام بالتجربة التي اصطلح على تسميتها لاحقاً بـ “تجربة كليفلاند”. بعدها بأيام كنتُ في مدينة سانتا بربارة في ولاية كاليفورنيا. وفي عصر يوم الرابع من تموز، وبعد انتهاء ورشة تعليم تلاوة القرآن العظيم لغير الناطقين بالعربية، والتي كنتُ أديرها، كان هناك نقاش فاجأني فيه أحدهم بسؤال يخص تفسير آية قرآنية كريمة كان قد قرأه في كتاب كان معه. صعقتُ، بمعنى الكلمة، لما قاله صاحبنا هذا وطلبت منه أن يريني الكتاب. أخذت الكتاب وقلبته على عجالة وفوجئت لما وجدت فيه من تناقض صارخ مع صريح نص القرآن العظيم مما سبب لي صدمة ذكّرتني بما سبق لي وأن سمعته من أحد المفكرين الألمان إبان زيارتي له في مدينة ميونيخ الألمانية في يناير عام 1994. حينها كنت أحادثه عن وجهة نظري بأن القرآن العظيم ليس بالإمكان أن يترجم عن العربية إلى أية لغة أخرى، وذلك لأن اللغة العربية التي بها نزل هذا القرآن تمتاز بما تعجز لغات الأرض الأخرى عن التعبير عنه بمثل ما تفعل هي. قال لي حينها إنه يوافقني الرأي، غير أنه لفت نظري إلى حقيقة مرة، فقال “وماذا أنت فاعل مع كل هذه الترجمات الموجودة والتي كما رأيت ليس لها صلة بالنص القرآني الذي حدثتني عنه؟ نصيحتي لك أن تعمل على ترجمة، صحيح أنها لن تكون بدقة وحرفية القرآن، إلا أنها بكل تأكيد ستكون أفضل من هذا الذي بين أيدينا اليوم”. إذاً كانت الصاعقة في سانتا بربارة هي التي ذكرتني بهذا الذي نصحني به صاحبي من ميونيخ. قررتُ حينها، عصر ذلك اليوم، أن يكون واحداً من مشاريع حياتي العمل على إنجاز تفسير للقرآن العظيم تكون ترجمته هي الأقرب إلى الحق الذي جاء به هذا القرآن. إن المشكلة هي ليست فقط في عجز الترجمات السائدة عن أن تفي القرآن العظيم حقه، ولكن أصل المشكلة هو في الموديلات التفسيرية التي بين أيدينا. إذاً لننجز التفسير الأقرب إلى فقه النص القرآني، ومن ثم لنعمل على ترجمة هذا التفسير. كانت هذه هي البدايات التي أفضت، من بعد هذه السنوات، إلى هذا المشروع. ولأضرب مثلاً على ما أخطأت فيه، وفي غيرما موضع، هذه الموديلات التفسيرية التي جاء بها مفسرو القرآن العظيم. لنتدبر الآية الكريمة (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (105 التوبة). التفسير الشائع لهذه الآية الكريمة جعل الكثير منا يذكرها كلما أراد أن يوجّه الأنظار ويشد الأسماع إلى ما جاء به من جديد لم يسبقه إليه أحد! وهذا أبعد ما يكون عن مراد صاحبنا هذا لو أنه علم أن المخاطب بهذه الآية الكريمة هم منافقو المدينة المنورة ولا أحد غيرهم. فالعمل في هذه الآية الكريمة هو مكائدهم ودسائسهم ومكرهم الذي حذّرهم الله بأنه لابد وأن يظهر للعيان ليكون مرئياً من بعد إضمار وائتمار. ولست أدري كيف فات مفسرينا أن الله عز وجل كان قد سبَّق لهذه الآية الكريمة بالآية الكريمة (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (94 التوبة). أليس واضحاً من هو المخاطب بالآيتين وأنه هم المنافقون ذاتهم! وإذا لم يكن هذا الدليل القرآني كافياً ليتبين مفسرونا ما جنوه من خطأ جسيم بحق القرآن العظيم، فلأذكرهم بالآية الكريمة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (8 المنافقون). لنعد إلى الآية الكريمة 105 من سورة التوبة أعلاه، فالتفسير الحق يكون “وقل اعملوا (أيها المنافقون) فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.
ألا صدق باب مدينة العلم علي كّرم الله تعالى وجهه إذ قال “القرآن يفسر بعضه بعضاً”. أقول قولي هذا ونحن نقترب من فجر يوم ذكرى مولده كّرم الله تعالى وجهه وفقاً للتقويم الميلادي!
