من حكاياتي مع مدينة: فيينا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيما

wien 2في ظهيرة أحد أيام فبراير-شباط/1982 كنت في فيينا عاصمة النمسا أتجول في شوارعها الجميلة، فعنَّ لي أن أدلف إلى مكتبة جذبتني عناوين كتبها من وراء زجاج واجهتها. وبعد جولةٍ لي قصيرة في أرجاء المكتبة بادرتُ إلى سؤال إحدى البائعات فيها عن الأعمال الكاملة للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه. فأطرقت هنيهة أجابتني بعدها إلى ما أردت وجلبت لي مجلدين هما أعماله الكاملة. وهنا تغيرت ملامح وجهها زهواً بعد استغراب! قلت لنفسي حينها أظنها إذ استغربت فذاك لأنها عجبت أنى لسائح شرق-أوسطي الملامح أن يعرف فيلسوف ألمانيا الكبير نيتشة، وإذ تحول استغرابها إلى زهو وخيلاء فما ذاك إلا لأنها ماهت بينها وبينه باعتبار أنها تتحدث لغته الألمانية. فرحت جداً بهذين المجلدين وطفقتُ أكمل جولتي، فوجدتُ في واجهة مكتبة أخرى كتاباً شدني عنوانه. فولجتُ إلى المكتبة وخرجت وأنا أحمله. والكتاب كان بعنوان Das Abentuer einer Sprache (أي “مغامرات لغة”)، وهو كتاب يتناول بالبحث التاريخي التأثيل اللغوي للغة اليديشية. وذكرني عنوانه حينها بكتاب كنت قد اشتريته قبل أسابيع من إحدى مكتبات شارع السعدون ببغداد، والذي كان عنوانه “مغامرات لغوية” للأديب العراقي عبد الحق فاضل، والذي كنت، وما زلت، معجباً به أشد الإعجاب. على أي حال، عدت إلى مسكني فرحاً بهذه الغنيمة التي غيّرت بعض الشيء من جدول قراءاتي، حيث أصبحتُ ملزماً بأن لا تكون مقتصرة على الكتاب الذي كنت قد اصطحبته معي من بغداد والذي كان بعنوان The structural aspects of language change (أي “الأوجه البنيوية للتغيرات اللغوية”)، والذي ما زلتُ أذكر أنني قرأته خمس مرات لفرط ما انبهرت بما وجدت فيه من منهج علمي رصين في تتبع ما للفلسفة البنيوية من عظيم تأثير على اللغات نشوءاً وارتقاء وتطوراً. كانت أيامي التي قضيتها في هذه المدينة الجميلة حافلةً بالكثير الكثير من الأوقات المتميزة التي منَّ الله عليَّ بها فجعلني أفكر بعمقٍ في كثير من المسائل التي استعصت عليَّ حلولها في بغداد ثم تجلت أمام ناظري السبل التي قادتني إلى ما نشدته من الحل.

أضف تعليق