الحقيقة المحمدية.. ارتقاء من الطين الآدمي إلى النور الإلهي

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

صورة متميزة للقبةالخضراءيظن كثيرٌ من الناس، أعراباً كانوا أم أعاجم، مسلمين أم مستشرقين أم غير ذلك، أن الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم بشرٌ كسائر مَن خلق اللهُ بشراً. فهو صلّى الله تعالى عليه وسلّم، في نظرهم، إنسان كباقي بني آدم لا يَفْضُلهم في شيء الا بما هو حقيقٌ على مَن اختصَّه اللهُ بالنبوَّة والرسالة ان يتفرّد به دون غيره من أفراد النوع الآدمي. إن هذه النظرة “الإنسانية” المفرطة تُعارضها نظرةٌ تفرّد بها نفرٌ من الامة المحمدية قالوا بأن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم بشرٌ واِن كان ليس كالبشر؛ فهو إنسان إلا أن هذا غير كافٍ لتعريفه صلّى الله تعالى عليه وسلّم. فليس لإنسان، من أفراد الجماعة الإنسانية كما نعرفها، أن يتّصف بما تفرّد به،  دون كل البشر، رسولُ الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم. وهذا “التفرُّد المحمدي” بخصائص لا توجد عند غيره من بني آدم هو ما يُطلق عليه إسم الحقيقة المحمدية. فالحقيقة المحمدية هي حقيقة الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم كما لم يكن للواقع المحمدي أن يكشف النقاب عنها، على ما هي عليه حقيقةً، بتواجده صلّى الله تعالى عليه وسلّم بين البشر. وهذه الحقيقة المستترة هي التي تجعل من العسير على القائلين بها ان يؤمنوا بخلاف ما تسنّى لهم الوقوع عليه من تجلّياتها في عالَم الشهادة هذا. فالرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ليس، كباقي بني آدم، ذا وجود واقعي فحسب وذلك طالما كان له وجودٌ آخر غير ذلك الذي كان معروفاً به صلّى الله تعالى عليه وسلّم بين أفراد قومه. وهذا الوجود المحمدي الآخر قد تأتّى للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ان يتفرّد به بسببٍ من قُرباه من الله؛ تلك القُربى التي تسنّى له صلى الله تعالى عليه وسلّم الفوز بها. وهنا انقسم القائلون بالحقيقة المحمدية طائفتين: طائفة أرجعتها لماضٍ أزلي موغل في القدم شهد انبثاق الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم نوراً من الله، واخرى سبَّبت لها بماضي الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم وحياته بين قومه؛ ذلك الماضي الذي كانت مفرداته عبادات لم يسبق لعبدٍ لله وان تقرّب لله بها تقرُّباً أهّله صلّى الله تعالى عليه وسلّم لاختراق كل حجاب خلقه اللهُ وستر به تواجده بين الخلْق. على أي حال فان هاتين الطائفتين، على هذا الاختلاف بينهما في السبب الذي جعل من الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ذا حقيقةٍ لا يكفي واقعُه المحمدي لمعرفتها كما يكفي واقعُ كل آدمي، من المنتمين للقطيع الإنساني، لمعرفة حقيقته التي لا فرق بينها وبين حقيقة اي فرد آخر من أفراد هذا القطيع، تشتركان في نظرة إلى الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم توحّد بينهما. فالرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم أبدي الوجود لا انتهاء لتواجده في الوجود بانتهاء حياته الواقعية على ارض الواقع. وهذه الابدية لم يسبق الرسولَ صلّى الله تعالى عليه وسلّم اليها احدٌ من بني آدم. فالرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم وحده من بين جميع بني آدم الذين سبقوه “ظهوراً واقعياً” على هذه الارض، تميّز بهذه المقدرة على قهر الزمان فلا يُمكِّنه من جعل قانونه يسري عليه صلّى الله تعالى عليه وسلّم هو ايضاً سريانه عليهم. ولقد كفل هذا القهر المحمدي للزمان ان يكون رسولُ الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم خالداً في الدنيا لا عيشاً على ارض الواقع كما يعيش البشر ولكن تواجداً في الحضرة الإلهية بكامل الوعي نوراً في حضرة النور دون حجاب. وهذا التواجد المحمدي، نوراً في حضرة النور الإلهي من غير حجاب يفصل بين الوجودين المحمدي والإلهي، هو الذي جعل للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم حضوراً دائمياً ابد الدهر. فلأن لا حجاب بين الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم وبين الله فان النور المحمدي لا فرق بينه وبين النور الإلهي مادام هذان النوران متواجدَين وحدهما دون وساطةٍ من حجاب. إن تواجد نور الله ونور الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم بهذه الكيفية قد كفل للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ان يكون مع الله إلى الأبد مادام ليس هناك من حجاب اسباب يُحتِّم تواجدُه ان يكون هناك قوانين إلهية تجعل من المستحيل على النور المحمدي ان يكون نسخةً من النور الإلهي. فزوال الحجاب بين النورَين هو الذي كفل للنور المحمدي هذه المقدرة على التواجد في حضرة الله دون ان يكون معهما احدٌ ومن غير ان يكون هناك من سريانٍ لقانون إلهي الا قانون التواجد في حضرة النور الإلهي دون حجاب. لذا فان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم قد تمكّن من قهر الزمان رجوعاً إلى ماضٍ أزلي كان اللهُ فيه وحيداً دون اي احد من الخلْق وانطلاقاً إلى مستقبل ابدي لم يسبق الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم اليه من الخلْق احد. وهذا ما يجعل للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم تواجداً في الزمان لا نفقه له كيفيةً ابداً. فمادام الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم قد اصبح نوراً ابدياً في حضرة النور الإلهي فهو نورٌ من نوره؛ هذا النور الأزلي الابدي. وهذا ما جعل للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم تواجداً مع الله في الأزل تواجده معه إلى الابد.

اذاً هنالك حقيقة بخصوص أبدية الحقيقة المحمدية مفادها ان للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم كياناً ثنائي الواقع وذلك بخلاف الكيان الإنساني كما نعرفه اُحاديَّ الانتماء لواقعٍ وحيد هو واقعه الذي لا نعرف غيره. وثنائية الواقع المحمدي هذه هي جوهر الحقيقة المحمدية. فالواقع المحمدي المعروف لا يختلف كثيراً عن الواقع الإنساني وان كان هذا الواقع هو ذاته على تجلييَن. وهذان التجليان هما: التجلّي الشائع والتجلّي النادر. فالغالبية العظمى من بني آدم لا تملك الا هذا الكيان الإنساني الذي يُعرف به الإنسان وذلك مقارنةً بالكيان الإنساني غير التقليدي؛ ذلك الكيان النادر الذي هو حكْر على قلة قليلة من أفراد النوع الإنساني اختارت الفرار إلى الله سيراً على الطريق الإلهي اليه. وهذا الفرار سيراً على طريقٍ محفوف بأعظم طاقة في الوجود لابد وان تكون له آثار تمس الجسم الإنساني للسائر على هذا الطريق. وهذه الآثار هي التي تجعل من جسم السائر على الطريق الإلهي إلى الله جسماً فريداً ذا مواصفات استثنائية نعجز عن الوقوع عليها في اجسام غير السائرين على هذا الطريق ذي الطاقة العظمى. لذا كان الكيان الإنساني للسائر على الطريق الإلهي إلى الله مجالاً لتجلّي آثار هذه الطاقة الإلهية وبالشكل الذي يجعل منه كياناً بايولوجياً فريداً من نوعه. كما ان الفرار إلى الله سيراً على هذا الطريق المُنار بالنور الإلهي كفيلٌ بجعْل العجائب والغرائب لا تني تُلاحق السائر عليه تحلُّقاً حواليه في حلِّه وترحاله ليلَ نهار. وهذا ما يجعل من الانبياء، وغيرهم من الذي آثروا الفرار إلى الله على الخوض بعيداً عنه في متاهات العبودية لسواه، لا حياة لهم الا وهذه الظواهر الخارقة للعادة والمألوف تتحلَّق من حولهم. إلا أن هذا الواقع الإنساني غير المألوف اِنْ كان يكفي لتعريف الواقع المحمدي المعروف فانه ابداً لا يكفي لتعريف الواقع المحمدي على ما هو عليه في حقيقة الامر! فاذا كان للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم كيانٌ نبوي، كباقي انبياء الله، يجعل منه ذا مواصفات بايولوجية استثنائية غير مألوفة ويُحتِّم على العجائب والغرائب ان لا تكف عن ملاحقته صلّى الله تعالى عليه وسلّم، فان هذا الكيان النبوي لا يستطيع ان يجعل المتدبّر في الحقيقة المحمدية يصل به لمعرفة الواقع المحمدي الآخر؛ ذلك الواقع الذي تفرّد به الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم فلم يسبقه اليه احدٌ من الانبياء او غيرهم من خلْق الله من السائرين على الطريق الإلهي اليه. فلم يسبق رسولَ الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم أحدٌ بوسعه ان يقهر الزمان ويطوي المكان كما فعل صلّى الله تعالى عليه وسلّم بعبوره إلى الله. إن العبور المحمدي إلى الله حدثٌ جليل في مسار الارتقاء الإنساني تعالياً على هذا الواقع الطيني الذي منه خلقنا اللهُ. فهذا العبور إلى النور هو الاجابة الإلهية على اعتراض ابليس على الله اذ أمَره بالسجود لآدم المخلوق من طين! والا فكيف استطاع مخلوق طيني من بني آدم ان يعبر إلى الله  مخترقاً كل حجاب تعجز ملائكة السموات عن الاقتراب، مجرد الاقتراب، منه؟! لقد برهن العبور المحمدي إلى الله على ان الخِلْقة الطينية لا تُحتِّم وجوب بقاء الإنسان أسير هذا الواقع الطيني فلا يغادره عبوراً إلى خالقهما. إن هذا العبور المحمدي إلى النور هو جوهر الحقيقة المحمدية.

وهذا العبور المحمدي من الطين إلى النور يفتح بوابة الامل على مصراعيها امام الإنسانية جمعاء وذلك شريطة التزام الفرد منها بضوابط السير على الطريق الإلهي إلى الله؛ هذه الضوابط التي فصّلتها شريعةُ الله كما نزل بها قرآنُه العظيم. لذا فان الحقيقة المحمدية لا تخص الرسول صلّى  الله تعالى عليه وسلّم فلا تتعداه لسواه. فالحقيقة المحمدية هي حقيقة الإنسان في أقصى تجليات وجوده تواجداً مع الله دون وساطةٍ من حجاب الاسباب؛ هذا الحجاب الذي يتكفّل بجعل الوجود مستقراً على ما هو عليه بتواجد الله فيه باطناً لا ظاهراً. إن الحقيقة المحمدية هي الحقيقة الإنسانية مادام الرسول صلًّى الله تعالى عليه وسلّم إنساناً عبر إلى الله انطلاقاً من خط شروعٍ طيني وانتهاءً بالنور الإلهي مروراً بحجاب الاسباب تواجداً في هذا العالم مع الله وخلْقه. وهذا التطابق ما بين الحقيقة المحمدية والحقيقة الإنسانية هو جوهر النظرة الصوفية إلى الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم؛ هذه النظرة التي توهّمها البعض من مُحبّي الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم مُطالِبَةً لهم بوجوب القول بأزلية الوجود المحمدي لا أبديّته. إن القول بأزلية الوجود المحمدي جوهراً للحقيقة المحمدية لن يعود على الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم بما من شأنه ان يكشف النقاب عن عالي مقامه صلّى الله تعالى عليه وسلّم عند الله! فأن يكون للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم وجودٌ أزلي فهذا يعني ان كل كلام عن مجاهدته صلّى الله تعالى عليه وسلّم للعبور إلى الله سوف يكون غير ذي معنى في ظل التواجد المحمدي مع الله منذ الأزل وإلى الأبد! لذا فان القول بلاأزلية الوجود المحمدي هو وحده ما يجعل للكلام حول مجاهدته صلّى الله تعالى عليه وسلّم هذه معنى. كما ان القول بأبدية التواجد المحمدي مع الله جوهراً وحيداً للحقيقة المحمدية يلزم عنه القول بأن الباب للعبور إلى حيث الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم مُشرَعٌ امام كل مَن يروم الالتحاق بالنور الإلهي سيراً على الطريق المحمدي إلى الله. إلا أن القول بأبدية التواجد المحمدي مع الله لا يحتّم اطِّراح القول بأزلية النور المحمدي وذلك شريطة ضبط النفس حتى لا تجنح بأجنحة الخيال بعيداً عن واقع الحقيقة المحمدية! فمادام الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم قد أصبح نوراً في حضرة النور الأعظم بعبوره إلى الله فان هذا العبور قد كفل له ان يكون ذا نورٍ إلهي بماضٍ هو الماضي الأزلي لهذا النور الذي لا ابتداء له ولا انتهاء! لقد كفل العبور المحمدي إلى الله لنور الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ان يكون في حضرة النور الإلهي إلى الأبد، وهذا ما جعل له المقدرة على الامتداد إلى الماضي الأزلي للنور الإلهي. لقد عبر الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم إلى  الله وأصبح في حضرته إلى الأبد، لذا فهو صلّى الله تعالى عليه وسلّم معه منذ البداية نوراً أزلياً اكتسبه صلّى الله تعالى عليه وسلّم بفوزه بالنور الإلهي إلى الأبد. إن النور الإلهي الذي تعرَّض له الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم قد انعكس عنه نوراً محمدياً تكفّل بجعْل الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم متواجداً مع الله إلى الابد. وهذا التواجد في حضرة النور الإلهي إلى الأبد هو الذي يجعل للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم أزليةً مادام قد اصبح بعبوره هذا إلى الله نوراً إلهياً ومادام ماضي النور الإلهي هو الأزل. فالنور الإلهي للرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم نور أزلي ابدي. والرسول صلًّى الله تعالى عليه وسلّم اصبح ذا نورٍ أزلي بفوزه بالنور الإلهي إلى الأبد تواجداً في حضرته بعبوره من طين هذا الواقع إلى الله.

3 comments

  1. الله يهديك إلى طريق الحق….. اول من سيتبرأ من غلوك في النبي صل الله عليه وسلم هو نفسه صلى الله عليه وسلم ثم ستحاسب عند الله سبحانه و تعالى عن كل كلمة قلتها….. ألم تعي قوله عزوجل: ليس كمثله شيئ….. الله يهديك يا أخي.

    إعجاب

أضف تعليق