جهنم التي نسيناها!

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما\n

لم يكن الله ليذر الانسان خائضاً في غي الظن الواهم بأن عقله قادر على الاحاطة بما بطن وظهر من امور هذه الحياة وهو مَن هو مخلوقٌ لا قدرة له على العبور الى الحقيقة بوساطةٍ من عقله هذا. فالانسان بعقله الخالص ما كان له ان يعرف ان له رباً وانه جامعه ليوم الحساب. والانسان بعقله هذا عاجز عن التوغل بعيداً في أعماق الزمان وصولاً الى يوم خلْق الله له عجزه عن التنبؤ بيوم يقوم فيه الناس من قبورهم ليُرَوا اعمالهم. لذا فلقد كان حقيقاً على الله ان لا يدع الانسان يتخبط في ظلمات الجَهالة فلا يتدخل بصورة مباشرة لنجدته وذلك باصطفائه رسلاً يُعلِّمون الناس ما لم يعلموا وما لا سبيل لهم ليعلموا به الا بهذا التعليم الالهي. الا ان الامر ليس بالبساطة التي قد يُخيَّل لنا معها ان الانسان مجبول على البحث عن الحقيقة ساعٍ خلفها لا تثنيه عن ذلك مشاغل الدنيا كلها جميعاً! فالانسان كائن واقعي لا تستهويه الحقيقةُ لفرْط مباينتها لهذا الواقع، وهو ان تجلى له منها قبس حاول جهده ان يجعل من هذا الذي تجلى له يفقد كل صلة له بعالم الحقيقة وذلك بعقلنته داخلاً من عقله الذي ابداً لا يطيب له التمسك بما هو حقيقي الا من بعد ان يُسبغ عليه ما يجعل منه واقعياً لا انتماء له لغير هذا الواقع الذي لا يريد الانسان ان يُصدِّق بوجود واقع آخر مفارق له الا اذا كان واقعاً من نسْج خياله سواءً كان هذا الواقع الخيالي واقعاً علمياً صاغته العبقريةُ ام واقعاً خبالياً صاغه الجنون! لذا فالانسان لم يبحث عن الله حتى اذا ما اضناه البحثُ عجزاً عن معرفة ما اذا كان الله موجوداً ام لا جاءه الحل بيد الرسل، بل كان الله حاضراً منذ البداية ومن قبل ان يشرع الانسان بمسيرة حياته الدنيا على ارض هذا الكوكب. فآدم، الانسان الاول، لم يتوصل لمعرفة ان الله موجود بعقله استنتاجاً قائماً على المنطق والبرهان! بل الله علَّمه وعرَّفه من بعد ان خلقه واصطفاه. وآدم لم يحتفظ بهذا العلم داخل نفسه، بل علَّمه بَنيه وذلك كما هو دأب الانبياء ومنهم يعقوب الذي نقرأ في القرآن العظيم انه اوصى بَنيه بأن يعبدوا الله من بعد ان يتوفاه الله كما عبدوه في حياته بينهم (اَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ اِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ اِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ اِلهَكَ وَاِلهَ آبائِكَ اِبْراهِيمَ وَاِسْماعِيلَ وَاِسْحقَ اِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون) (البقرة: 133). لذا فالانسان لم يُترَك لحظةً وعقله الا من بعد ان كشف الله له عن وجوده سواءً يوم ان علَّم اللهُ الانسان الاول او يوم ان ارسل اللهُ الرسل مبشرين ومنذرين. لقد ارسل الله الرسل مذكِّرين اقوامهم بأن الله واحد لا اله الا هو وذلك من بعد ان تفشى الاشراك وسادت الوثنية. وهذا هو ما كان متوقعاً من الانسان! فالانسان اِنْ كان يصعب عليه ان يؤمن بالله فهو لا يصعب عليه ان يؤمن بآلهة متعددة طالما كان الايمان باِله واحد يستدعي منه ان يكون غير واقعي! فهذا الواقع ليس من اليسير على العقل الانساني، غير المؤمن بالله، ان ينظر اليه فيراه واقعاً تحت تأثير اِله واحد. لذا كان من الطبيعي ان يجنح الانسان الى الايمان بآلهة كثيرة مادام ما حوله لا قدرة لغير مَن كان مؤمناً باِله واحد على النظر اليه على انه من صنع هذا الاله الواحد. حتى اذا ما طالبه الايمان بالله الواحد الاحد بتصديق البعث من بعد الموت كان في هذا ما جعل منه يفر الى الاوثان والاصنام يتمسك بها مادامت من طين هذا الواقع الذي يُطالَب بأن يؤمن بأنه ليس كل ما هنالك! لذا فليس من العسير علينا ان نتفهم الاسباب التي حدت بالانسان الى الانحراف عن التوحيد الخالص الى دياجير الاشراك مادام هذا التوحيد يُطالبه بالايمان بما يعجز عقله عن تفسيره؛ هذا العقل الذي يتوهم ان بمستطاعه ارجاع كل معقد الى مكونات بسيطة وان بوسعه العودة بأية فكرة الى ارض هذا الواقع اصلاً وحيداً لها!

فطالما كان التوحيد، وكذا الايمان باليوم الآخر، قادماً مع رسل الله حقيقةً لا سبيل للعقل الانساني للوقوع عليها بتدبُّره في الوجود حواليه، ما لم يُعرَّف بها من قبلُ، فان هذا العقل سرعان ما ينساق وراء ما تطبَّع عليه من هَوَسٍ يُحتِّم عليه وجوب الاخذ بالاشراك منهجاً وحيداً في تعامله مع مفردات وظواهر هذا الوجود. وهذا ما لا سبيل لانكاره مادامت كل الرسالات الالهية هي دعوة للتوحيد الخالص اسلاماً لله الواحد الاحد. لذا جاء القرآن العظيم مُصدِّقاً لما بين يديه من كتاب اِلهي سبق لله وان ارسله وذلك بدعوته الناس جميعاً للايمان بالله واحداً لا شريك له. ولأن الله كان قد جمع بين الايمان به، الهاً واحداً يستبعد القولُ بوجوده القولَ بوجود آلهة اخرى، وبين الايمان بالبعث من بعد الموت وذلك في كل الصحف الالهية التي سبق نزولُها نزولَ القرآن الكريم، لم يكن عجباً ان يجيء هذا القرآن داعياً الى الله الواحد الاحد ومنذراً يوم الحساب لاريب فيه (اَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً اَنْ اَوْحَيْنا اِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ اَنْ اَنْذِرِ اٌلنَّاسَ وَبَشِّرِ اٌلذِينَ آمَنُوا اَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ اِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (يونس: 2)، (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اٌلرُّسُلِ وَما اَدْري ما يُفْعَلُ بي وَلا بِكُمْ اِنْ اَتَّبِعُ اِلاّ ما يُوحى اِلَيَّ وَما أنا اِلاّ نَذيرٌ مُبينٌ) (الأحقاف: 9)، (ما يُقالَ لَكَ اِلاّ ما قَد قِيلَ لِلرُسُلِ مِن قَبْلِكَ اِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذو عِقابٍ اَلِيمٍ) (فُصِّلَت: 43). ان من يتدبر كتاب الله العزيز لابد واجده كتاباً إلهياً لاشك في صادق نسبته لله مصدراً وحيداً لكل ما جاء فيه من علم وحكمة يستحيل على أحد من بني آدم الوقوع عليهما واِن استعان على ذلك بكل ما اوتيه من عقل ومعرفة. فالقرآن العظيم يبرهن على اِلهية نصِّه المقدس بهذا الاعجاز المعرفي الذي يتجلى لمتدبّره أنّى جال ببصره وسمعه فيه. ومن بين مفردات هذا الاعجاز القرآني المبين تمركز الخطاب القرآني من حوالي الدعوة للايمان بالله إلهاً واحداً لا شريك له وللايمان باليوم الآخر يوماً قادماً عما قريب يجمع الله فيه الأولين والآخرين. فالتوحيد، كما سبق تبيان ذلك، مناقض لما تطبّع العقل البشري عليه وهو يحيا في ظل ثقافات انسانية دأبها الركون الى ما هو واقعي في الحكم على كل ما يعرض لها واِن كان هذا منتمياً لواقع آخر لا سبيل لواقعنا هذا للاحاطة المعرفية به بحال من الاحوال! لذا فأنْ تجد كتاباً فحوى خطابه التوحيد الخالص والايمان بالبعث من بعد الموت لابد وان يجعل منك تسارع الى الحكم على هذا الكتاب بانتفاء العائدية لهذا الواقع الذي دأبت الثقافات البشرية المتولدة عنه على الانشغال بما هو واقعيٌّ آنيٌّ ليس من صلة له بما يتجاوز الـ “هنا” و”الآن” الا ليعود اليهما من بعد تلوّنه بخبالات وخيالات هذا الانسان العاجز، تطبُّعاً وليس طبعاً، عن مغادرة واقعه الا بأجنحة الخيال والخبال! ولكن هل أحسنّا قراءة كتاب الله العزيز بتدبُّره بعينٍ لا شائبة فيها؟! وهل نجحنا في الوقوع على فحواه ونحن لا نريد ان نقرأه بعقلٍ ثائرٍ على ما تطبّع عليه بنشأته بين ظهراني الثقافات البشرية التي يصعب عليها ان تصدِّق ان هنالك حقيقةً تعجز عن الاحاطة بها اِن هي لم تتنازل عن هذا الكِبْر الملازم لها؟! نظرة واحدة الى واقعنا تكفي لنعرف الاجابة! فلو اننا كنا حقاً قد وقعنا على ما جاءنا به القرآن العظيم اما كان حالنا مع الله غير هذا الحال البائس الذي نحن عليه بفرارنا منه الى كل ما جاءنا كتابُه العزيز يدعونا للإعراض القلبي عنه لا للانشغال الصادق به قلباً وقالباً؟! ان واقع حالنا يُنبئ بهذا الفشل الذريع منا في فقْه ما ارادنا الله ان نفقهه بتدبُّرنا قرآنه العظيم. والا فهل هذا هو حال من آمن بالله إلهاً واحداً لا شريك له وبيوم الحساب يوماً آتياً لا محالة؟! ان واقع حالنا ليس له الا ان ينطق بالحق فيقول بأننا لم نُحسن التعامل مع عهدة الله وأمانة نبيّه صلّى الله تعالى عليه وسلّم بهذا الولوغ منا في وحل الواقع انشغالاً بكل ما من شأنه ان لا يُمكّننا من الانصراف القلبي عنه الى الله ناهيك عن التسلُّط عليه كما فعلت امم الغرب مثلاً! فنحن لم نُحسن الامساك بدفة هذا الواقع فنكون بذلك مشاركين لغيرنا من امم الارض الاستمتاع الموقوت بهذه الحياة الدنيا ولم نعمل على التمسُّك بدفة القرآن العظيم فنتمكن بذلك من قيادة هذا الواقع تسخيراً له ليكون واقعاً في متناول مَن لم ينسَ نصيبه من الحياة الدنيا وهو يُعِدُّ العدة لقدوم الآخرة. ان عجْزنا عن استخلاص فحوى رسالة القرآن العظيم يبرهن عليه هذا الفشلُ منا في التصرُّف بخوف وخشية من نار الآخرة؛ هذه النار التي تكاد لا تخلو صفحة من صفحات هذا القرآن من الاشارة اليها صراحةً او تلميحاً! ولكن من المسؤول عن هذا الفشل منا في تدبُّر القرآن العظيم؟ هل لنا ان نلوم الا انفسنا باساءتنا التصرُّف في العهدة الالهية والامانة المحمدية ممثلةً بالقرآن العظيم؟!

ولكن ما الدليل على اننا نسينا جهنم فلم نعد نتذكرها الا لماماً؟ ان الدليل قائم بيننا فلا يحتاج ان نبحث عنه بعيداً عن واقعنا الذي ارتضينا ان نخضع له بدل ان نُخضعه معنا لله الواحد الأحد. فلو اننا أمعنّا النظر حوالينا لوجدنا انفسنا نرزح تحت نيْر هذه العبودية المقيتة لمن خُلِق ليكون أداةً طيِّعة بأيدينا نستخدمه للتعبير عن خالص عبوديتنا لله. ان انشغالنا بهذه الحياة الدنيا، حدَّ نسيان ما كشفه القرآن العظيم لنا بشأنها من حقيقة مفادها انها ليست كل ما هنالك وان الآخرة هي دار القرار، ليتجلى واضحاً بهذا الاصرار منا على النظر اليها على انها كل ما هنالك! فكل سعينا في هذه الحياة، التي نسينا انها لم تُوصَف في القرآن العظيم الا بالدنيا مقارنة بالحياة الآخرة، يدور حوالي عين الاهداف التي يسعى غيرنا، من غير المؤمنين بهذا القرآن، لتحقيقها ظناً منهم وتوهماً بأن “لا سعي الا للدنيا”! والا فهل يختلف سعينا عن سعيهم في شيء ونحن ننافسهم على الدنيا فلا نُحسن هذا كما لم نُحسن السعي للآخرة؟! لقد نسينا في غمرة انشغالنا بهذه الحياة الدنيا اننا لم نُخلق لنعيش كما توهم أهل القرون الاولى عندما ظنوا انها مجرد هذه الحياة فلا آخرة ولا بعث ولا حساب! (وَقالُوا اِنْ هِيَ اِلاّ حَياتُنا اٌلدُّنيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (الانعام: 29)، (وَقالَ الْمَلَاُ مِنْ قَوْمِهِ اٌلذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وَاَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياة اٌلدُّنيا ما هذا اِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَاْكُلُ مِمَّا تَاْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ اَطَعْتُم بَشَراً مِثْـلَكُم اِنَّكُم اِذاً لَخاسِرون. اَيَعِدُكُمْ اَنَّكُم اِذا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُراباً وَعِظاماً اَنَّكُم مُخْرَجون. هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما توعَدون. اِنْ هِيَ اِلاَّ حَياتُنا اٌلدُّنيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. اِنْ هُوَ اِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلى الله كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنينَ) (المؤمنون: 33-38)، (اِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُون. اِنْ هِيَ اِلاّ مَوْتَتُنا الاُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ. فَاْتُوا بِآبائِنا اِنْ كُنْتُمْ صادِقِين) (الدُّخان: 34-36)، (وَاٌلذِي قالَ لِوالِدَيْهِ اُفٍّ لَكُما اَتَعِدانَنِي اَنْ اُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ اِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا اِلاّ اَساطِيرُ الاَوَّلِينَ) (الأحقاف: 17).

لقد خلقنا الله لنعبده ولنصل بهذه العبادة، وبها فقط، الى شاطئ النجاة من عذاب جهنم التي سيُحشر اليها اعداء الله من الاولين والآخرين ممن ظنوا ان هذه الحياة الدنيا هي كل ما هنالك. فالقرآن العظيم واضح في تأكيده ان عذاب الآخرة واقع لامحالة بساحة كل من أنكر البعث والحساب سواءً كان هذا الانكار صراحةً بلسانه ام خُفيةً بقلبه، كما هو حال الغالبية العظمى من الناس! فالحساب يوم الحساب سوف يطال مدى تعلُّق كل منا باليوم الآخر ايماناً صادقاً بالقلب ام انكاراً يشهد له العمل. ان سعي الانسان في هذه الحياة الدنيا هو الذي يكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لايمانه باليوم الآخر. فمن كان يدَّعي انه مؤمن بالآخرة فعمله لابد وان يجيء مصدِّقاً لهذا الايمان فلا تشغله الدنيا كما تشغل اهلها ولا يكون حظها منه الا استعمالها، بالاذن والاجازة والرُّخصة، عيشاً فيها وفق الضوابط التي فصّلتها آياتُ القرآن العظيم والا فهو من اهل الدنيا وان كان يظن انه خلاف ذلك!

ان القرآن العظيم حافل بالآيات الكريمة التي وثّقت هذا الانشغال الصادق باليوم الآخر من قِبَل عباد الله المتقين الذين ايقنوا ان الآخرة حق وان الله جامع الناس ليوم الحساب لاريب فيه. لنتدبّر الآيات الكريمة التالية التي تبين مدى تغلغل هذا الايقان في قلوب عباد الله الموقنين بصدق ما جاءتهم به رسل ربهم من قَصَص يوم الحساب: (اٌلذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اٌلسَّموات وَالأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اٌلنَّار. ربنا اِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اٌلنَّار فَقَدْ اَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ اَنْصار) (آل عمران: 191-192)، (اِنَّ اٌلذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَاٌلذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنونَ. وَاٌلذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. وَاٌلذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمْ اِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) (المؤمنون: 57-60)، (وَعِبادُ اٌلرَّحْمنِ اٌلذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْناً وَاِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاما. وَاٌلذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياما. وَاٌلذِينَ يَقُولُونَ ربنا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ اِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. اِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرَّاً وَمُقاماً) (الأنبياء: 63-66)، (اِلاّ الْمُصَلِّين. اٌلذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمون. وَاٌلذِينَ فِي اَموالِهِم حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلْسائِلِ وَالْمَحْرومِ. وَاٌلذِينَ يُصَدِّقونَ بِيَومِ اٌلدّين. وَاٌلذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقون) (المعارج: 22-28).

ان القوم يدعون الله بقلوب تشبّعت بالخوف الصادق من نار جهنم. لذا تراهم لا ينسونها حتى وهم منشغلون بأمور هذه الحياة الدنيا بأبدانهم لا بقلوبهم كما هو حال أكثر من في الارض! ان الخوف الدائم من جهنم درجة على الطريق الالهي الى الله لا يصلها الا من كان صادق السعي على هذا الطريق الذي لا نجاة من عذابها الابدي يوم القيامة الا باكماله سيراً مخلصاً بقدم القلب لا بقدم اللسان! والعبادات، بفعالياتها كلها جميعاً، ما شرعها اللهُ ففصّلتها آياتُ قرآنه الكريم بيّنةً جلية الا لتعمل على جعل السائر على الطريق الالهي الى الله يزداد ايماناً بالله وباليوم الآخر خطوةً بخطوة. فكل ما جاء به القرآن العظيم من طقوس تعبدية يتوجب على الانسان العابد القيام بها ما تهدف الا لترسيخ قدم الخوف من الله ومن نار جهنم في القلب بدوام تذكّر العقل لله ولناره بدوام ذكر الله في سياق كل عبادة من العبادات المفروضة. ان الاعمال الصالحة، التي لا ايمان صادقاً الا معها، لم تُشرع لمجرد كونها من الصالحات كما يتوهم البعض! فصوالح الاعمال فعاليات تهدف لجعل العابد يزداد خوفاً من الله بازدياد تذكّره له وذلك بدوام مواظبته على القيام بها بقلب لا يرى مع الله احداً من الخلق.

لذلك كان الخوف الصادق من الله مرتبة لا يستطيع كل من هب ودب ان يصلها هكذا ومن دون ان يسبق هذا الوصول جهادٌ حقيقي مع النفس وهواها. فليس من اليسير ان يكون المرء من الذين يخافون الله ويتقون نار الآخرة وهو مشغول القلب بهذه الحياة الدنيا تنافساً مع أهلها عليها كما لو انها هي دار القرار لا دار الشقاء والفناء! وهذا التصرُّف ليس الا عين ما ينبغي لنا ان نتوقعه من الانسان؛ هذا المخلوق الذي ارتضت نفسه ان تبقى اسيرة فتنتها بذاتها فخيّل اليها انها على الدوام تحسن ما تعمل وانها لا يصدر عنها الا ما هو الكمال بعينه! واِلا أفلا نرى الناس لا يُصدِّق الواحد منهم انه ليس من أشد المؤمنين بالله حتى وهو لا يذكر الله الا قليلاً وبلسان لا حياة فيه؟!

ان الايمان الحقيقي بالله مشهود له على الدوام بما ليس بالامكان العجْز عن تبيُّن صادق تمكّنه من القلب وعميق تغلغله فيه. فهذا القلب المؤمن بالله كفيل بجعل الوجود من حواليه ليس كالوجود الذي تعرفه غالبية البشر وتظن انه الوجود الحقيقي الوحيد! لقد كشف القرآن العظيم النقاب عن حقيقة مفادها ان المؤمن الصادق تتكفّل بالشهادة له بأنه مؤمن حقاً عجائبٌ وغرائبٌ تلاحقه على الدوام فتجعل من حياته حياة فريدة ليست كحياة الآخرين من الذين نسوا الله فأنساهم انفسهم وأشغلهم بالسعي الخائب بحثاً عن سعادة لا وجود لها بعيداً عن الله. يكفينا ان نتذكر ام عيسى وام موسى ومؤمن سورة غافر ويكفينا ان نتدبر الآيات الكريمة (اِنَّ اٌلذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْملائِكَةُ اَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَابْشِرُوا بِالْجنَّةِ اٌلتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون. نَحْنُ اَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ اٌلدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي اَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُون. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيم) (فُصِّلت: 30-32). فهل نحن من الذين تقول عنهم الملائكة (نَحْنُ اَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ اٌلدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ) ام نحن من الذين قال فيهم القرآن الحكيم (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اٌلرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَاِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَن اٌلسَبيلِ وَيَحْسَبونَ اَنَّهُمْ مُهْتَدون) (الزُّخْرُف: 36-37)؟!

ان الايمان الحقيقي بالله ليس ادعاءً او توهماً بل هو “حقيقة” من جملة حقائق هذا الوجود. ولأنه كذلك كان الايمان من الظواهر النادرة طالما كانت حقائق الوجود لا تكشف عن نفسها الا قليلاً فلا يُعرَف منها وعنها الا النزر اليسير! “فما أكثر الناس ولو حرصتَ بمؤمنين” “واكثرهم للحق كارهون” “وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون” “ولئن اتبعت أكثر من في الارض يضلّوك عن سبيل الله” طالما كانوا “لا يعلمون الا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم بالآخرة هم كافرون”. فاذا كان الايمان الحقيقي بالله نادر الوجود، فهل يكون الخوف الصادق من الله بأوفر وجوداً وهو دعامة هذا الايمان واساسه ورأسه؟! ان للايمان الحقيقي بالله شواهداً وبراهين لا تقطع الا بتحقّق توطُّنه في القلب وكذلك فان للخوف الصادق من الله، خشيةً من نار جهنم، أدلةً وعلاماتٍ لا يصعب تشخيصها عند من كان تقياً صادقاً في خوفه من الله. فهل نعي هذا فندرك اننا لسنا على الطريق الصحيح المؤدي بنا بعيداً عن نار جهنم فنعود مستدركين قبل فوات الاوان؟! ام اننا لا نبالي بغيرما اوهمتنا به انفسنا عندما اوقعتنا في شَرَك الظن الواهم فصدقنا معها بأننا من اهل الايمان والتقوى ونحن ما غادرنا اسفل سافلين الا خوضاً في نفاقٍ وفسوقٍ لن يؤديا بنا الى غير الدَرَك الاسفل من النار اِنْ نحن لم نتدارك الامر فنعود من فورنا الى الله نعبده خوفاً وطمعاً كما علّمنا القرآنُ العظيم؟! لستُ لأجد ما اختتم به هذا المقال الا آية قرآنية كريمة أواظب على الدوام على تذكير نفسي بها علّني لا انسى جهنم التي نسيناها (يا أيُّها اٌلذِينَ آمَنوا قُوا اَنْفُسَكُمْ وَاَهْليكُمْ ناراً وَقُودُها اٌلنَّاسُ وَالْحِجارةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما اَمَرَهُمْ وَيَفْعَلونَ ما يُؤْمَرونَ) (التحريم: 6).

أضف تعليق