هذا من فضل ربي اللطيف لما يشاء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يبدو أن معظم العراقيين قد نسوا، أو آثروا تناسي، الحرب العراقية-الإيرانية! وهم بذلك ليسوا بدعاً من البشر. فالنسيان والتناسي من أبرز آليات الدفاع السايكولوجية التي أنعم بها الله على بني آدم ليتسنى لهم أن يتعاملوا مع هذه الحياة الدنيا ومفرداتها التي لا يمكن أبداً أن تكون دوماً كما تشتهي سَفَنهم. غير أنني، وعلى ما يبدو، من تلك القلة التي لم يكتب الله عليها أن يكون لها هذا الحظ من التناسي أو ذاك القدر من النسيان؛ خصوصاً إذا ما كان الأمر ذا صلة بخيطِ أحداثٍ قدري لطيف خفي انتظمها مفردات تجلت من بعد عقود من الزمان جملاً مفيدة وعبارات ناطقة. لأكمل قصتي مع الفيزياء فأذكر ما حدث وأنا أقترب من إكمال دراستي الجامعية. فلأن الحرب العراقية-الإيرانية كانت قد دخلت عامها الرابع، ولأن ما كان متبدياً منها لم يكن في أفقه ما يدل على نهاية قريبةٍ لها، فلقد فاتحني يوماً أبي رحمه الله أنه قد رتّب الأمور ليدبر لي عقداً مع المؤسسة العامة للصناعات الفنية فيكون بذلك بوسعي تفادي الذهاب إلى جبهة الحرب التي كان خريجو الجامعات العراقية ملزمين بالالتحاق بها فور انتهائهم من التدريب العسكري الأساسي بعد الجامعة. ولأنني لم أعتد أن أخالف أبي رحمه الله، فلقد وافقته على ما أراد. ولم يدر بخلدي حينها أنني، وأنا أوقع على وثيقة التعاقد مع هذه المؤسسة، إنما كنت في حقيقة الأمر أوقع على تعاقد آخر ومع مؤسسة أخرى كانت متواريةً متلفعةً بحجاب الزمان! مرت الأشهر وأكملتُ دراستي. وقبل أن ألتحق بالتدريب العسكري الأساسي، كان يتوجب على الخريجين المتعاقدين أن يبادروا إلى المباشرة في الدوام في تلك المؤسسة قبل مدة من ذاك الالتحاق. وكانت هذه المدة تتيح للواحد منا أن يختار فيبادر من فوره أو من بعد ما يشاء من الزمان قبل انتهائها. وفي يوم 12/12/1984 داهمني إحساس حدسي بوجوب أن أباشر في الدوام الرسمي في تلك المؤسسة صبيحة اليوم التالي. تملكني ذاك الإحساس حتى أنني ما زلتُ أذكر، ومن بعد عقود من السنوات، أني كنت أعد الساعات عداً ليجيء صباح 13/12 لأهرول مسرعاً إلى الدوام. ولكي أصف ما كنت عليه من حال لم أعتده من قبل، فلقد كان مقرراً أن يباشر معي صاحب لي قُدِّر له هو الآخر أن يكون من المتعاقدين. فوجئ صاحبي هذا بعزمي على الالتحاق والمباشرة بالدوام فجن جنونه، إذ لم يكن ليفهم على الإطلاق لماذا نبدد أياماً وأسابيع في دوام مرهق مستغرق للجهد والوقت ونحن لم يزل بإمكاننا أن نحظى بفسحةٍ من الزمان نستطيع فيها أن نقرأ كثيراً، وكثيراً جداً من الكتب، دأبنا آنذاك. لم أصغ إلى احتجاجاته وحملت نفسي وإياه على ركوب الحافلة إلى العمل. وفي الطريق الذي استغرق من الزمان ما يقرب من الساعة، لزمتُ دعاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِين) وِرداً لي أستعين به على وعثاء الطريق ومخاوف ما ينتظرني من مجهول. على أي حال، تم تنسيبي إلى مكان وصاحبي إلى مكان آخر. والعجيب الغريب أن صاحبي، المحتج المتذمر الذي حملته على الذهاب معي حملاً ليباشر في الدوام، قد نُسِّب إلى مكان ظل فيه طيلة ما يقرب من ثماني سنوات هي مدة بقائه في ذلك العمل، وكانت سنوات عجافاً شديدة الوطأة لفرط ما كان يتوجب عليه فيها أن يقوم بما يتوجب عليه القيام به مقارنةً بالسنوات العشر، مدة العقد، التي قضيتها في ذاك العمل وأنا في بحبوحة عجائبية! فلكأنني لم أكن على أرض الواقع على الإطلاق. كان المكان الذي نُسبتُ إليه منعزلاً أتاح لي فرصة الاختلاء بعيداً، معظم الوقت، عن الزملاء والأصحاب. وتسنى لي، بسبب من تلك العزلة الإجبارية، الانكباب على مشروعي المعرفي قراءة وكتابة حتى أن بوسعي الآن أن أنظر إلى تلك الحقبة من عُمُري لأقول إنها كانت السنوات الأكثر غزارةً في إنتاجي المعرفي. وإذ أنا أنظر الآن إلى الوراء، أجدني كلي شعور بالامتنان لله تعالى على ما أغدق به عليَّ من نعمائه. إذ كان العمل، في معظم الوقت، كما أشاء وليس كما شاء المسؤولون! ثم إنني، وفي خضم تلك الحقبة، تحقق لي ما كنت أصبو إليه من حل معرفي انتهى بي إلى الوصول إلى ما غدا لاحقاً فلسفتي التي أنظر بها إلى الوجود ليتسنى لي بذلك أن أفقهه. ثم كان أن جاءني الحل الذي أزاح عن كاهلي ذاك العبء الذي أرَّقني مدة من الزمان طويلة منذ أن أدركتُ أن الله تعالى لم يخلقنا لنحيا هذه الدنيا طولاً وعرضاً، ولكنه خلقنا لعبادته. جاءني الحل يوم أن دُعيتُ إلى التكية الكسنزانية الرئيسية في بغداد، وكان حامل الدعوة أحد العمال في المكان الذي كنت أعمل فيه. وكان الخميس 14/نيسان/1988 هو اليوم الذي تعاقدتُ فيه مع الطريقة لأخطو بذلك خطواتي الأولى في عالمها الغرائبي العجائبي، ولأدرك أنني يوم تعاقدتُ مع المؤسسة العامة للصناعات الفنية فإنني كنت في حقيقة الأمر أوقع على عقدي مع الطريقة إلى الأبد إن شاء الله.

أضف تعليق