وليس الذكر كالأنثى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الإنسان كائن حي بايولوجي ذو إرادة. وإذ هو كذلك، أي ذو إرادة، فليس لنا أن نذهب بعيداً لنتصوره مريداً ذا إرادة خالصة ذاتية أصيلة. ونحن إذا ما أنصفناه فلنا أن نَصِفه بأنه كائن ذو إرادات أكثر منه ذو إرادة واحدة. فالإنسان صنيعة إراداته كلها جميعاً وإن ساقه الوهم إلى تصور خلاف ذلك فيظن أنه موحَّد الإرادة. والإرادة هي صفة من أهم ما يميز الحياة البايولوجية. فأن تقول هذا كائن حي فإنك تستدعي أهم ما يميّزه ألا وهو الإرادة. فلكأنما الحياة إذ تجعل منه ذا إرادة فإنها قد تتوارى ليتجلى منها هذا الذي به تميزت إذ كان ذا إرادة. والآن، شاء الملالي أم أبوا، فليس بإمكاننا أن نقارب الإنسان لنعرفه أدق معرفةٍ بإمكاننا أن نقع عليها، إلا بأن نعي أنه ما كان ليكون إنساناً لولا ماضٍ مغيَّب قد يتجلى في عالم شهادتنا هذا مُطلاً بآثارٍ إذا ما نحن تدبرناها حق تدبُّرها فلنا بذلك أن نأمل بأن نحظى بنزر ولو يسير مما يمكننا من معرفته بشأنه. وهذه الآثار لا يمكن لها إلا أن تقودنا إلى جانبٍ من ماضيه يوم أن عاشَ على هذه الأرض حيواناً طيلةَ ملايين السنين. وهذا الماضي الحيواني للإنسان، هو أصلٌ أصيل من أصوله. ولأنه كذلك، فلا يمكن لنا بحال أن يكون بمقدورنا أن نفقهه إلا من بعد إقرارنا بهذا الماضي. والآن عودة إلى موضوع الإرادة. فقد يبدو مستغرباً ألا يكون بالإمكان أن نحدد مديات هذه الإرادة دون أن نقرأها بدلالة هذا الماضي الحيواني. ولكنها الحقيقة على أي حال؛ فواحدة من إرادات الإنسان هي من إرادة سلفه الحيوان. ولعل أن يكون من بين أهم الفروقات بين السلف والخلف هو تميز الحيوان بإرادة واحدة يفرضها عليه برنامجه التصميمي الذي خلقه الله به، مقارنة بهذا الإنسان المعذَب بإراداتٍ يظنها متوحدة وهي في تناشزها تصرخ بخلاف ذلك. لنتمعن في واحدةٍ من أهم إرادات الإنسان؛ ألا وهي تلك التي فرضها عليه أن يكون ذا ماض حيواني. الحيوان مريدٌ ذو إرادة لم يكن له منها بد؛ فقد فرضها الله عليه يوم أن جعله ذا حياة بايولوجية تريد لهذا الحيوان أن يريد ما تريده، وأن تكون إرادته بالتالي هي إرادتها. فالحياة إذ تريد فإنها صيّرت الحيوان ذا إرادة. ولأن الحياة كتب عليها الله تعالى أن تنتشر ظاهرةً خارقةً للعادة، فإنها لم يكن لها إلا أن تتقيد بمحدِّدات إلهية جعلت ديدنها الإنتشار في عالم المادة الميتة بايولوجياً. وهذا الإنتشار قدّر له الله تعالى أن يكون محكوماً بقوانينه الإلهية التي حتّمت على الحيوان أن يتقيد بها فلا يحيد عنها. فكان أن جعل الله إرادة الحياة تدفع بالحيوان صوب تحقيق هذه الإرادة. فما كان منه إلا أن أصبح مريداً لهذا الإنتشار مدفوعاً إليه مندفعاً بقوةٍ هي قوة الحياة ذاتها. ولنا أن نتأمل ما يعنيه هذا الدافع بهذه الإندفاعة القوية التي جعلت الحيوان يعيش لهدف واحد هو تحقيق إرادة النوع القاضية بغزو منهجي لعالم المادة الميتة بايولوجياً.

هذه مقدمة جد ضرورية ليتسنى لنا إذ نقفل عائدين إلى إنساننا الذي تركناه حيواناً يدب ملايين من السنين على هذه الأرض لنعرف بها، وبها فقط، لماذا كان على الإنسان ألا يحيد عن هذا الذي جعل من سلفه الحيوان يعمل جاهداً لتحقيق إرادة النوع: إرادة الحياة: إرادة الله. وليس لنا أن ننجح في فقه هذا الوجود البايولوجي دون أن نستعين على ذلك بواحد من أهم ما فرضه الله تعالى عليه من سننه وقوانينه؛ وهو الذي بإمكاننا أن نحدده على أنه “قانون الاقتصاد في الطبيعة”؛ هذا القانون الإلهي الذي حدد الله تعالى به إنفاقه على هذا الوجود البايولوجي ليكون منضبطاً بضوابط التقدير الذي ليس فيه هدر ولا تقتير. وكان حقيقاً بذلك على الحيوان، وبالتالي على خلفه الإنسان، أن يكون الدافع الذي به يندفع كلاهما في هذه الحياة مقيداً بهذا القانون فلا مُنفلَت منه إلا إليه. هكذا قضت سنة الله تعالى التي دونها الفساد. وهذا ما لا يمكن أن يكون ما دام الوجود، كل الوجود، محكوماً بحاكمه الواحد الأوحد الفرد تعالى جده. إذاً فالإنسان، بماضيه الحيواني هذا، لا يمكن إلا أن تكون إرادته محكومة بقانون “الاقتصاد في الطبيعة”؛ هذا القانون الذي سبق وأن جعل سلفه الحيوان يكون ذا إرادة دفعته دفعاً إلى تحقيق البرنامج التصميمي له، نشراً لأفراد النوع وانتشاراً. ولأن الكون البايولوجي حاكمه هو إلهٌ حكيمٌ بحق، فلم يكن له أن يكون كما تصوّره لنا أهواؤنا وتصوراتنا الفاشلة حيال ما ينبغي أن يكون عليه الحق والعدل والقسمة المنصفة. لذلك لم يكن للنوع الحيواني أن يقسّمها مناصَفةً هكذا فتكون النسبة متساوية بين ذكوره وإناثه، كما كنا لنفعل نحن بنو الحيوان لو كان الأمر منوطاً بنا! فالناظر إلى الوجود البايولوجي لابد وأن يلحظ، بعينٍ إبصارها غير حسير، أن الطبيعة قد فرضت قانونها الإلهي على الأفراد فكان للأنثى أن تتفوق على الذكر ما دام انتشار النوع يكفله قدَرها الذي فرض عليها أن تكون الأم التي لا يمكن لمستقبل النوع أن يُكتب بغير أناملها! فالأنثى في نظر النوع هي أثمن، وأثمن بكثير جداً، من الذكر. لذا فلقد قضى القانون الإلهي في الاقتصاد في الطبيعة أن يكون عدد الإناث أكبر بكثير من عدد الذكور للنوع الواحد، وإلا فمن الهدر والإسراف والتبذير أن نُسري قانوننا القاضي بالتساوي والمساواة ليكون بذلك عدد الإناث مساوياً لعدد الذكور! ومن هنا لنا أن نؤصِّل لهذا الذي غدا لاحقاً في عالم البشر يُعرف بتعدد الزوجات. فالذكر، حيواناً كان أم إنساناً، في نظر النوع ليس بالبضاعة الثمينة ليتم الحرص على تكثيرها بعديد أفرادٍ كثيرين مقارنةً بالأنثى التي هي، في نظر النوع أيضاً، البضاعة الثمينة جداً. والأمر العجيب أن الأمر في عالم الإنسان قد انقلب ليصبح الأثمن هو الأرخص، فأصبح بذلك ذكر البشر أفضل في نظرنا من أنثاه التي هي الأفضل بنظر النوع! ولكنه الإنسان يقلب الموازين ويغيّر القوانين وفقما يأمره به هواه وتشاء له نفسه الحمقاء. إن كلامي هذا لا ينبغي أن يُفهم منه، إذ أؤصل لتعدد الزوجات بالرجوع إلى أصلٍ أصيل للظاهرة الإنسانية، أنني أدعو إلى ممارسته أو الحض عليه! ما أقوله هو ما ينبغي أن نعرفه من ماضينا ومن هذا الذي توهمناه إرادتنا الحرة المستقلة الأصيلة! والسبب في ذلك أنني قد ذكرتُ أصلاً واحداً هو الأصل الحيواني للإنسان، وأحجمتُ عن ذكر أصل آخر حتى يجيء الوقت لأتحدث عنه. وهذا الأصل الذي أعني هو الذي حتّمه على الإنسان ماضيه الفضائي، يوم أن أكل آدم من الشجرة إياها. فبسبب من هذا الذي جعل من الله تعالى يُهبط بآدم وزوجه إلى هذه الأرض، أصبحنا ذوي أنفس؛ أي أصبحت لنا نفسٌ أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. ولأننا ذوو أنفس، فلا يمكن لماضينا الحيواني أن يستفرد بنا فيجعلنا مطيعين له منفذين لإرادته دون أن تشاركه نفسنا الأمارة بالسوء هذه فتجعلنا لا نهنأ بعيشٍ إلا وفق أوامرها ونواهيها. ونفسنا هذه هي التي تجعل العاقل الحصيف منا يُحجم عن الاندفاع وراء إرادة النوع القاضية بتغليب مصلحته، أي مصلحة النوع، ليتزوج معدِّداً لا مُفرِداً. فما لك ولوجع الرأس والقلب إذ تنصاع لإرادة النوع والحري بك أن تنفذ إرادة نفسك، أو إن شئت إرادة زوجتك، فلا تتزوج بأخرى!

أضف تعليق