بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كنتُ قد ذكرتُ في منشور سابق أن أستاذ الأمة علياً بن أبي طالب كّرم الله تعالى وجهه علّم أمته السبيل لتفسير القرآن العظيم مُبيِّناً هذا السبيل بأنه تفسير القرآن بالقرآن، إذ قال: “القرآنُ يفسرُ بعضُه بعضاً”. وضربتُ مثلاً على هذا التفسير للقرآن بالقرآن عندما أوردتُ تفسيراً للآية الكريمة 105 من سورة التوبة (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون)، حيث جاء هذا التفسير مخالفاً لما عهدناه من تفسير توهمنا معه أن بوسعنا أن نستشهد بهذه الآية الكريمة للتدليل على صالح أعمالنا مقارنةً بسيء أعمال غيرنا! واليوم أسوقُ مثالاً آخر يبين ما للتفسير القرآني للقرآن من قدرةٍ على جعلنا نستيقن مدى ما كنا عليه من ضلال إذ انتهجنا غير سبيل أستاذ الأمة في تفسيره للقرآن العظيم. لنتذكر ما يرد إلى البال حال قراءتنا، أو سماعنا، الآية الكريمة 11 من سورة الرعد (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فنحنُ إذ نذكر هذه الآية الكريمة فإننا نوردها في سياق استنهاض الهمم وشد العزائم صوب التغيير المنشود ظناً منا أننا بذلك إنما ندعو بها إلى العمل والاجتهاد والقيام بما ينبغي علينا أن نقوم به ليجيئنا من بعد ذلك المدد الإلهي وليآزرنا بذلك الله تعالى بعون من عنده ما دمنا نحن بأنفسنا قد قمنا بما كان يتوجب علينا القيام به! وهذا أبعد ما يكون عن مراد الله تعالى بهذه الآية الكريمة. وتفسير هذه الآية الكريمة قرآنياً بإمكاننا أن نحدده كما يلي: يرفل كثير من البشر في عيشٍ رغيد ورزق وفير ومال كثير وزوجات حسان وأبناء هم للعين قُرَّة. ويظن هؤلاء أنهم بهذا الذي أنعم الله به عليهم قد أصبحوا في مأمن من مكره تعالى، وأنهم بذلك يحق لهم أن يعتدوا ويتعدوا حدوده تعالى، وأن يُعرضوا عنه وعن أوامره أنى شاءت لهم أهواؤهم ودفعت به أنفسهم. فكيف لا يكون حقيقاً على الله إذاً أن يفاجئهم بعذابه بغتة فيغيّر ما هم عليه من نعمةٍ سبق وأن جعلهم يرفلون بها؟ لنتذكر الآية الكريمة 53 الأنفال (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). وإذا لم يكف هذا دليلاً قرآنياً على فساد تفسير الملالي، فلك أن تتذكر الآيات الكريمة التالية: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ(15)فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ(16)ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (17-15 من سورة سبأ (لعنهم الله))، والآيات الكريمة 112-113 من سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).
