بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
في عام 1978، وعندما كنت في السادسة عشرة من عُمُري، كان مقرراً علينا طلاب المرحلة الثانوية الخامسة أن ندرس في مادة “الأدب والنصوص” قصيدةً رائعة لأبي العلاء المعري رحمه الله، لازلتُ أردد بين الحين والآخر البيت ما قبل الأخير منها:
“ولما رأيت الجهلَ في الناسِ فاشيأ تجاهلتُ حتى ظُنَّ أني جاهلُ” 
والسبب الذي جعل هذا البيت يعلق في ذاكرتي أنني ما صدقتُ يوماً ما كان يردده عن أبي العلاء رحمه الله تعالى النقاد ومؤرِّخو الأدب. فقد كنتُ دوماً أنظرُ إلى ما تسنّى لي الوقوع عليه من شعره الجميل فأراه ناطقاً بأحاسيس مرهفة تدل على أن صاحبها من أولئك البشر النوادر الذين قلما يجود بهم علينا الزمان، وإلا فكيف لغير أبي العلاء أن يلخصها حكمةً خالدة: “خفِّف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد”. وهو البيت الذي كنتُ وما زلتُ أقرأه بعينٍ ترى فيه ما أظن أن ما كان أبو العلاء يقصد به هو نصيحةٌ خالصة لوجه الله تعالى ينصح بها متكبري البشر من أن مآلهم آخر الأمر إلى تراب تدوسه أقدام الخلق! وعودة إلى موضوع المنشور، فيبدو أن “الجهل” عند أبي العلاء رحمه الله تعالى كان مفردةً أرَّقته حتى جعلته ينطق بهذا الكلام الجميل الذي مازلت أردده منذ أن قرأته أول مرة شهر آذار 1983:
“حسبي من الجهلِ علمي أن الآخرةَ هي المآلُ وأني لا أراعيها وأن الدنيا دارٌ لا مقام بها وما أزالُ معنىً بمساعيها”.
