بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يبدو أن أبا المثل “لم يدع شيئاً إلا وقاله” كما يردد العامة! مما تعلمته عن أبي رحمه الله أن أبا المثل يقول إن التاجر عندما يفلس فإنه يبادر إلى دفاتره العتيقة يقلّب فيها عله أن يجد دَيناً مستحقاً له على أحدهم! وأنا إذ أعود اليوم إلى دفاتري الفلسفية العتيقة فليس لأبحث فيها عن هكذا دَين! عودتي هذه حتّمها عليَّ ما أجده شائعاً من وصف للوجود لا يصفه على ما هو عليه حقاً. فالعلماء والعامة يشيرون إليه على أنه “الفضاء”، فتراهم يتحدثون عن رحلات الفضاء، وعلوم الفضاء، ورجال الفضاء، …. إلى آخره. إن ما يستفزني في التوصيف الضال المُضل هذا، أن من بين القائلين به علماء كان يجدر بهم أن يتوخوا الدقة في حديثهم هذا وهم يعلمون كما لا يعلم غيرهم أن ما يوجد خارج كرتنا الأرضية لا يمكن بحال أن نشير إليه على أنه “فضاء” ما دام يحوي ملايين المجرات التي تتكون بدورها من ملايين النجوم وملايين الكواكب!
إن هذا الحديث عن “الفضاء” يذكرني بما كنت قد انتهيتُ إليه شتاء عام 1987 من نظرة إلى الوجود كما كنتُ أتصوره حينها. فحينها كنت مهووساً بكتابات الفيلسوف لودفغ فدكنشتاين، وخصوصاً ما جاء في كتابه “مقالة منطقية فلسفية”، والذي وجدتني أتناغم مع ما جاء فيه، حتى أنني لأذكر أنني كنت أعجب كيف استطاع وبكل براعة أن يعبّر عما ما كان يجيش في خاطري من خواطر عن الوجود وظواهر موجوداته. فشرعتُ حينها في العمل على كتيب في الفلسفة ألخص فيه نظرتي هذه. وكان مما كتبته أن ليس في الوجود من فضاء على الإطلاق، أي ليس هناك فراغ بالمعنى الحرفي. فما تحسبه فراغاً إنما هو في واقع الأمر وحقيقته فراغ من شيء، أو من أشياء، وليس فراغاً من كل شيء أو من كل الأشياء. حينها وجدتُ في القرآن العظيم، مرة أخرى، ما عزز عندي من ثقتي بما انتهيتُ إليه. ففي مواطن كثيرة منه بإمكانك أن تجد ما يشير إلى أن الوجود هو سموات وأرض وما بينهما، كما تنص عليه صراحة الآية الكريمة (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا). أختم فأقول إن الكون عندي هو ملاء لا فضاء.
