بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كان دخولي عالم الصحافة بمقالة عنوانها “دور التصوف في خدمة القومية العربية” نشرتها جريدة “بابل” البغدادية بتاريخ 24/2/1992، في الذكرى السنوية الأولى لانطلاقة صفحة الحرب البرية من ملحمة “أم المعارك” الخالدة. وبعد أكثر من ربع قرن على تلك المقالة، أجد أن من الواجب أن أتحدث قليلاً عن مفهوم القومية العربية عندي. إن مفهومي للقومية العربية، وذلك على خلاف ما ينادي به القوميون المتعصبون، هو ليس بأكثر من كونها تمثل حق الشعب العربي في أن يعيش في وطنه الممتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي؛ هذا الحق الذي استكثره عليه المستعمرون وعملاؤهم من أذناب وخونة. وبذلك يكون فهمي للقومية العربية بعيداً كل البُعد عن من يرى فيها تفوقاً عرقياً على الأعاجم من غير العرب. والقومية العربية عندي هي اللغة العربية التي اختارها الله تعالى لتكون لغة قرآنه العظيم، وهي لغة من اختاره ليكون آخر المرسلين محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم. وهي بذلك مفردةٌ من مفردات الإسلام، الذي إن أردتَ أن تحيط به على ما ينبغي أن تكون عليه الإحاطة التامة الشاملة، فعليك أن تفعل ذلك بإتقان العربية وإلا فلن يكون بمقدورك أن تفقه هذا الدين كما ينبغي. وبذلك تكون القومية العربية، بهذا المعنى وليس بأي معنى شوفيني متعصب آخر، مظهراً من مظاهر عظمة الإسلام؛ هذا الدين الذي لا فرق فيه بين عربي وأعجمي، أو ذكر وأنثى، أو غني وفقير، إلا بالتقوى. والتصوف إذ يخدم القومية العربية، فإنه ينظر إليها بهذا المعنى الذي تكون به أداةً لاستيعاب الأعاجم داخل المنظومة العقائدية للإسلام، والذي لا يؤمن بالتبعيض ولا الإقصاء ولا التهميش. فالقومية العربية، بعين التصوف، هي الأداة التي يضمن بها الإسلام أن تكون رسالته بلغتها الأصلية دون أن يطال مفرداتها أي تشويه أو تزييف أو تبديل، مادامت لغتها هي على الدوام وإلى الأبد اللغة التي جاء بها الإسلام المحمدي عربيةً حتى النخاع، فصيحة بلا لحن ولا عجمة.
