بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
التطور، نشوءاً وارتقاء، قانونٌ إلهي وحقيقةٌ من حقائق هذا الوجود. والتطور بعدُ، هو سمةٌ من أبرز سمات الحياة البايولوجية، نباتيةً كانت أم حيوانية أم بشرية. ولا يمكن بحال أن نغمط التطور حقه فنعزوه إلى داروين فنقول إنه هو من أبدعه وجاء به. فلقد سبق داروين إلى تبيُّن ما تميّزت به الحياة البايولوجية من قدرتها الفذة على البرهان على أنها تتطور من طورٍ إلى آخر عشرات من العلماء والمفكرين والفلاسفة. إلا أن ما يُحسبُ لداروين أنه انكبَّ على صياغة كتابه “حول أصل الأنواع” (On The Origin Of Species) الذي جاء، وبمعنى الكلمة، تحفة رائعة من روائع العلم المستند إلى الملاحظة الدقيقة والتدوين والتوثيق المنهجيين. ولأن التطور قانون إلهي وحقيقة واقعة، فلم يكن لي إلا أن أكون “تطورياً”، أي مؤمناً بالتطور ولو كان في ذلك ما قد يوغل صدور مَن أبوا إلا أن يُعرضوا عن الحق وإن جاءهم بكل برهان ودليل! ولكن أن أكون تطورياً فهذا لا يعني أنني ملزمٌ بأن أدين بمذهب داروين في تفسيره للآليات التي حتّمت التطور وجعلته ممكناً. فالتطور عندي نتيجةٌ سببُها لسنا بواجديه في الطبيعة الحية مهما انتحلنا من أسباب وتوهمنا. والتطور إذ هو نتيجة، فلابد من أن نبحث عن السبب من ورائها خارجاً من هذه الطبيعة؛ فيكون بذلك سبب التطور خارج-طبيعي، وما هذا إلا السبب الذي جعل الحياة ذاتها من قبلُ تنشأ من اللاحياة؛ ومَن يكون هذا غير واهب الحياة الحي الذي لا يموت؟ إذاً هو الله تعالى جدُّه خالقُ الحياة وجاعلها تتطور طوراً من بعد طور. فهو “التطوير الإلهي” إذاً لا “التطور الذاتي” للحياة التي لم تكن لتوجد لولا الحي عز وجل. وبالتالي، فإنني لا يمكن أن أكون داروينياً لأني لا أتفق على الإطلاق مع داروين فيما ذهب إليه في قوله بـ “الانتخاب الطبيعي” و”البقاء للأصلح”. فهاتان الآليتان إن أنا قلت بهما فقد اتهمته تعالى جدُّه بما لا يمكن له أن يكون عليه. فاللهُ حكيم قادر، وهو بقدرته الحكيمة لا يعجزه أن يجعل الحياة البايولوجية تتطور دونما حاجة للمرور في هذه المحطات الداروينية التي يوجبها القول بهاتين الآليتين. فخلاصة القول إذاً وقصاراه: أن تكون تطورياً لا يلزم عنه بالضرورة وجوب أن تكون داروينياً مادمت قد آثرتَ الإيمان بوجود الله وعلمتَ أنه الإله الذي لا يمكن أن يخلق الخلقَ فيدعه يهيم في متاهات “الانتخاب الطبيعي” وظلم وظلمات “البقاء للأصلح”!
