بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
“الكون يتوسع”. حقيقةٌ لا يجادل فيها إلا جاهل أو ممارٍ، وذلك لأنها ظاهرة بوسع العلم التجريبي-الاختباري أن يأتيك بما تشاء من الأدلة والبراهين على كونها حقيقة لا مراء فيها. وإذا ما أردتَ أن تستعلم لتعرف ما يعنيه القول بأن “الكون يتوسع”، فلك أن تتصور مادته الماكروية (Macroscopic) تغزو مساحته التي سبق وأن احتلتها مادته المايكروية (Microscopic). فمادة الكون الماكروية هي تلك التي تتجلى مجراتٍ ونجوماً وكواكب. وأما مادته المايكروية، فهي تلك التي تتجلى جسيمات صغيرة (Microparticles)، كالفوتونات والألكترونات والبروتونات، وغيرها من مئات الجسيمات.
إذاً هو غزو منتظم منهجي للمادة العملاقة للمساحة من الكون التي سبق وأن غزتها مادته المتناهية في الصغر. والسؤال الآن، إذا كان الكون يمتد ويتوسع، فهل هناك من حدٍ لهذا التوسع ليقف عنده فلا يتوسع بعده؟
أنا لست ممن يصدق منظري علم الفلك إذا ما هم جاؤوا بما يصوّرونه على أنه النظرية التي بوسعها أن تتنبأ بما سيحدث للكون في مستقبل الأيام، وذلك لأن النظريات عادةً ما تبطلها نظريات أخرى. أنا إذا ما أردت أن أطمئن إلى جواب لا يدحضه حق، وذلك لأنه الحق الذي يدحض الباطل، فما علي إلا أن ألتجأ إلى الكتاب الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، وما ذاك إلا قرآن الله العظيم. يعلمنا هذا القرآن أن الكون محدود بحدود لا يمكن لمادته أن تتجاوزها ولو كان هذا التجاوز بقدر فوتون واحد. وهذه الحدود هي أقطار السموات والأرض التي لا يستطيع مخلوق، مهما عظم أو صغر جرمه، أن ينفذ منها. وذلك كما تخبرنا آيات الرحمن من سورة الرحمن (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ(33)فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(34)يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ). إذاً فالكون الممتد المتوسع لا يمكنه أن يستمر في التوسع والتمدد هكذا وإلى ما لا نهاية، لكنه سيصل إلى حد يقف عنده فلا يتعداه ولا يتجاوزه.
وعودة إلى عنوان هذا المنشور، فملالي ما يسمى بـ “الإعجاز العلمي للقرآن”، يتسولون إعجاب العلم المعاصر إذ يظنون أن هذه الآية الكريمة إنما هي سبق علمي للقرآن إذ يفسرونها على أنها تقول بتوسع الكون وذلك من قبل أن يتسنى للعلم المعاصر القول به! وهذا ليس صحيحاً، لأن مراد الآية الكريمة بإمكانك أن تحدده بتفسيرك إياها قرآنياً بالآية الكريمة (وسع كرسيه السموات والأرض)؛ فعندها ستدرك أن المراد هو لا أكثر من أن الله سبحانه وتعالى قد وسع السماء علماً وإحاطة وحكما، وأن لا شيء يحدث فيها إلا بعلمه وأمره، وأن موجوداتها كلها جميعاً مطويات في يمينه.
