بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عام 1970 كنت في المرحلة الابتدائية الرابعة، وكان لي أن أحظى بأول إطلالة على واحدةٍ من أجمل الإصدارات العربية المصورة حينها، والتي حملت إسم “مجلة المعرفة”. لقد أحدثت هذه المجلة الجميلة زلزالاً في حياتي بمعنى الكلمة وقتها؛ إذ كانت تجيؤك بالمعلومات ومعها رسومات بالغة الجمال. وإني لا أبالغ إذا ما قلتُ إنني أدين لهذه المجلة الرائعة بالكثير مما كان له لاحقاً الأثر البالغ في جعلي أحب العلم والتعلم. لقد كانت “مجلة المعرفة” بحق نموذجاً مصغراً لما بوسع أطفال هذا العصر أن يحظوا به إذا ما هم استفادوا من الانترنت كمصدر للعلم والمعلومات.
على أي حال، كان أول تعرُّف لي على سيدنا علي كّرم الله تعالى وجهه ببيتين من الشعر الرقيق تصدَّرا أحد أغلفة هذه المجلة وقتها، ومازلتُ أحفظهما:
وقدْرُ كل امرئ ما كان يُحسِنُهُ والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
ففز بعلمٍ تعش حياً به أبداً الناسُ موتى وأهل العلم أحياءُ
أسرَتني هذه الكلمات الحكيمة وشرعتُ أرددها منذ ذاك الحين، حتى جاء يومٌ قرأتُها ضمن القصيدة التي وردت فيها، وقرأتُ في شرحها أن المقصود هو ما يتميز به أهل العلم من مقدرةٍ على تجاوز الزمان فلا يكون واحدهم محكوماً عليه بما يقضي به الزمان على الغالبية العظمى من البشر فيتسنى له بذلك أن يُخلَّد على ألسنة الناس وفي بطون الكتب من بعد أن تطويه الأرض، فيُذكر على الدوام فيما يُنسى غيرُه. لم ينل هذا الشرح مني منالاً؛ إذ استشعرتُ أن هناك أمراً آخر كان متوارياً من وراء هذه الكلمات التي لن تكون مغالياً إن وصفتها بأنها حكمةٌ بالغة.
ظل هذا القلق يعتريني كلما تذكرتُ البيتين وأنا أقلبهما محاولاً أن أتبيّن ما يمكن أن يكون من وراء الحجاب المتلفعَين به. ولم يتحقق ما كنت أصبو إليه إلا من بعد سنوات، وذلك عندما سلكتُ الطريق إلى الله وعلمتُ أن هذا الطريق هو طريق الحياة بمعنى يتجاوز بكثير ما يمكن لك أن تعرفه إن لم تكن ممن تعرَّضَتْ لهم إشاراتُه وعلاماتُه. وكان أن علمتُ أن هذا الطريق، إذا ما أنتَ سرتَ عليه منضبط الخطوات بإيقاعٍ من محدداته وضوابطه، بوسعه أن يجعلك تحيا من بعد أن يفارق بدنك الحياة لا على ألسنة الناس أو في بطون الكتب كما يُظَن، ولكنها حياة تحياها بمعنى الكلمة في بُعد آخر، كما تحب الفيزياء المعاصرة الإشارة إليه، ليس بإمكان معظم الناس أن يدركوه. فهي حياة حقيقية وإن لم تكن واقعيةً من مفردات هذا الواقع، يُنظر إليها فتُرى. إذاً فالعلم الذي بمقدوره أن يجعلك تحوز هذه الحياة الحقيقية غير الواقعية هو علم الحياة الذي إن تعلمتَه فزتَ بما أشار إليه سيدنا علي كّرم الله تعالى وجهه، وإلا فالمصير هو ما تعلم.

