“ورأيتُ أكثر أهلها النساء”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كان 4/7/1974 اليوم الذي وطأت قدمايَ فيه لأول مرة أرض مصر الجميلة، وذلك عندما اصطحبنا أبي رحمه الله لقضاء إجازة الصيف فيها. ولازالتُ أذكرُ كم سحرتني القاهرة الجميلة بنِيلها وآثارها ومتحفها وغريب مأكولها ومشروبها؛ فأنا لم يكن قد سبق لي وأن شربت عصير القصب، ولا أكلت ثمرة المانغو! وكانت الأيام تمضي مسرعةً وأنا أتعلم كل يوم أشياء جديدة في هذا البلد الذي أحببته مذ رأيته أول مرة. ولازلتُ أذكرُ سور الأزبكية والذي كانت مكتباته تبيعك أنفَس الكتب بأبخس الأسعار. وعلى ذكر الكتب، فإني لا أنسى ما حدث مساء السابع عشر من تموز من ذلك العام، عندما كنا على غير مبعدة من مقام حضرة السيدة زينب قدّس الله سرها العزيز. أذكر أنني، وأنا أتجول مندهشاً مما كنت أرى، سمعتُ صوت امرأة عجوز تتوسل المارة “والنبي لتعشيني”، وكأن لا حياة لمن تنادي إذ لم يستجب أحد من المارة لتوسلاتها. فما كان مني إلا أن مددتُ يدي إلى جيبي لأخرج منه ربع جنيه وأعطيه لها.

بعد هذه الحادثة بقليل سمعتُ أحدهم ينادي على كتيبين يحملهما “الاثنين بخمسة ساغ”، وهو يقصد أن ثمن هذين الكتيبين هو 5 قروش. مددتُ يدي إلى جيبي مرة أخرى، ووجدت أن كل ما فيه هو 5 قروش! وكان أن اشتريتُ هذين الكتيبين. وكان عنوان أحدهما هو “حديث الاسراء والمعراج للإمام إبن عباس رضي الله عنهما”، أما عنوان الثاني فهو “طالوت وهاروت وماروت”. أخذت الكتيبين معي إلى بنسيون Scarabe (ويعني “الجُعُل”) الذي كنا نقيم فيه. قرأت الكتيبين في اليوم التالي ولم يبقَ عالقاً في ذهني منهما إلا شعوري بالتعاطف مع الملكَين هاروت وماروت لما ورد في حقهما في أحد الكتيبين من أنهما معلَّقان منكوسَا الرأس من قدميهما في بئر مهجورة ببابل إلى يوم القيامة. وكذلك حزنتُ على نساء بني آدم لأن الكتيب الآخر ذكر أن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم نظر إلى النار فرأى أكثر أهلها من النساء. لم أعد إلى هذين الكتيبين بعدها إلا في صيف عام 1978؛ حيث تبيّن لي بقراءتي سورة البقرة أن القرآن العظيم يخالف ما ذهب إليه المفسرون الذين قالوا ما قالوه بخصوص الملكَين الكريمَين هاروت وماروت عليهما السلام وذلك كما ورد في الآية الكريمة ١٠٢ البقرة (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون). وكان أن سنحت لي الفرصة أيضاً أن أعيد قراءة كتاب الاسراء والمعراج، فهالني ما وجدت فيه مما لم أنتبه إليه في قراءتي الأولى له قبل أربعة سنوات. استثارني الأمر إلى درجة أني قررت أن أكتب رداً مفصِّلاً فيه اعتراضاتي على كل جملة وجدتها في الكتيب تخالف الحق. فكان أن أنجزتُ أول عملٍ فكري لي وأنا في السادسة عشرة من عُمُري.

على أي حال، أنا ما زلتُ على آرائي التي انتهيتُ إليها آنذاك بخصوص هذا الحديث المفبرك المنسوب زوراً وباطلاً وبهتاناً إلى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ومازلتُ حتى اليوم أشعر بالاشمئزاز من هكذا حكم جائر بحق نساء بني آدم اللاتي حُكم عليهن هكذا وبجرَّة قلم أن يُخلَّدن في النار لأسباب أستسمح القارئ لمنشوري هذا أن يطّلع عليها بنفسه كما وردت في نَص حديث الإسراء والمعراج لإبن عباس، وذلك لكي يرى مقدار الظلم والجور اللذين لا يمكن له أن يخطئهما فيه بحق الأم والإبنة والأخت والزوجة.

أضف تعليق