بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم يخلق الله تعالى الطبيعة بحياة بايولوجية تمايزت أنواعاً من نباتٍ وحيوانٍ شتى ليكون من ثم لأفرادها أن يتباهوا فيما بينهم بالذكورة إن كانوا ذكوراً، وبالأنوثة إن كانوا إناثاً! فالذكورة والأنوثة لم تكونا مقصودتين بحد ذاتهما كما يتوهم العامة والفلاسفة على حد سواء. فالفرد في نظر النوع قد خلقه الله تعالى ليحمل رسالة النوع لا ليباهي أشياعه بتميُّزٍ تفرَّد به عن باقي أفراد النوع. والطبيعة، إذ هي ليست بمذكر ولا مؤنث، قد قضت على الفرد أن لا يبالغ في إحساسه بتفرُّده حد أن ينسى المهمة التي خلقه الله ليؤديها خدمةً للنوع بنشره رسالته التي قضت بدورها عليه أن يكون جندياً تغزو به الحياة البايولوجية كوكبنا هذا. أما ما توهمناه نحن العامة من خيالاتٍ نسجها لنا كثير من الفلاسفة والمفكرين، فلا نصيبَ له من الصحة البتة. فليست هي “الزوجية” في الطبيعة التي قضت بتناشزها ذكورةً وأنوثة توزّعت أفراد النوع ليكون كلٌّ ذا فردية وهوية بسببٍ من هذا التمايز الجنسي. فالفرد في نظر النوع أداةٌ وجندي ليس إلا. وإذ هو كذلك، فإنه لم يكن ليُبرمَج بتصميمٍ سابق يحتِّم عليه أن يدعو لبرنامجه الفردي على الإطلاق، وإلا فلم يكن للطبيعة أن تكون ولا لأن تزدهر حياة بايولوجية على هذا الكوكب. لذلك كان على الفرد قدَراً محتوماً أن يعيش لا لنفسه ولكن للنوع. فالفرد يولد ليعيش وليموت للنوع، من بعد أن يقضي حياته كلها خادماً مطيعاً لإرادته، أي إرادة النوع لا إرادته هو. وهذا على أي حال ما كان عليه الحال قبل أن تُبتلى الأرض بالإنسان الذي جاء بما نعرف من إقلاق وتخريب للبرنامج التصميمي الذي خلق الله الطبيعة منضبطةً به لا تحيدُ عن إيقاعه أبداً. إذاً جاء الإنسان وظهر معه ما لم يكن من قبلُ في الطبيعة من إحساس بالفردية والتمايز والإرادة الذاتية؛ فأصبح الإنسان يستشعر لذاته دوراً وبرنامجاً غيرما صُمِّم ليكون برنامجه وإرادته. وبذلك خُيِّل للإنسان أنه ذا إرادة مستقلة حرة. وكيف لا وهو يستطيع أن يفعل ما يشاء ضمن حدود ما قيَّدته به الحياة البايولوجية وتعايُشه ضمن الجماعة البشرية. والحقيقة أنه وإن كان ذا إرادة هذا هو تعريفها، وهذه هي حدودها، فإن الإنسان في نظر النوع هو ذاك الحيوان الذي كان من قبل في نظر النوع الأداة والجندي المنفِّذ لإرادته، أي إرادة النوع لا إرادته هو. ولكنها الحقيقة التي ليس بالضرورة أن تكون الواقع. فالواقع الذي نعرف بيَّنها جليةً واضحةً عندما أخذ الإنسان يتعامل مع ذاته ومع ما يحيط به، استناداً لظنه الواهم بأنه المريد الذي لا رادَّ لإرادته. هذه مقدمة ضرورية ليتسنى لنا من بعدُ الولوج إلى صلب الموضوع. فلأن الإنسان مهووس بهذه الفردية، مُباهٍ بها بخيلاء وكبرياء لا تليقان بمن هو على شاكلته، مخلوقٌ متواضع القدرات محدود الإمكانيات، فلم يكن عليه بالتالي أن يتوهم تفوّقاً له تميّز به تارةً لأنه الذكر، وأخرى لأنه على هذا أو ذاك من المذاهب أو العقائد التي تفرّق عليها بنو آدم منذ بداية الخليقة! ولكنه الإنسان على أي حال.
لقد خلق الله الطبيعة لتكون تجلياً للحياة البايولوجية بسُنن وقوانين حتَّمت على النوع أن يكون أفراده مفرداتٍ بها تكون القصة لا أن يكونوا هم القصة. وهذا مدخل مهم ليتسنى لنا بذلك أن نفقه السبب الذي جعل الإنسان يتصرف وفق هواه وليس وفقاً لما قضت به إرادة النوع. فلم يكن المقصد أن يباهي ذكر الإنسان بفحولته وأنثاه بأنوثتها، وبالمعنى الذي نستطيع أن نميِّزه جلياً بهذا التصارع السخيف كما يتجلى فيما يطلق عليه بالحركات النسوية Feminist! فهذه الحركات تستند إلى الرد على ذكورية الحضارة إلى تقديم بديل آيديولوجي أو فلسفي يكون للأنثى فيه الدور الأول والمركز الأهم! لقد فات الدعاة لهذا المذهب أن الطبيعة لا تناصر أياً من القائلين بذكورة أو أنوثة حياتها البايولوجية. فالأساس في الطبيعة هو برنامجها التصميمي وليس ما توهّمناه بشأنها. والطبيعة بذلك لا تنظر إلى الفرد لتراه ذكراً وأنثى. فالطبيعة قد خلقها الله تعالى ليكون للذكر والأنثى المساحة التي يتحرك كلاهما ضمنها تنفيذاً لإرادته هو لا لإرادتهما هما. وبذلك فإن قسمة الطبيعة إلى “مذكرات” و”مؤنثات” ليس من الطبيعة في شيء. فليس الذكر ضداً للأنثى، ولا هي بنقيضه، لتكون الطبيعة بالتالي مقسَّمة بينهما بالتساوي! فالطبيعة ذكورة وأمومة وليست ذكورة وأنوثة. فليس هناك من أنثى في الطبيعة إلا بما أصبحته بسببٍ من كونها خُلقت لتكون أماً. فالطبيعة إذ تنظر إلى أفرادها، فإنها تراهم ذكوراً وأمهات. وهي بالتالي أمُّ لا أنثى. وكل تقسيم آخر ينظر إلى الطبيعة فيراها منقسمة إلى معسكر ذكور ومعسكر إناث إنما هو تقسيمٌ ليس من الطبيعة في شيء مادام القاسم المقسِّم هو هذا الإنسان المجبول على اصطناع الوقائع وتخيُّلها ليتسنى له بذلك أن يعيش في عالم أوهام لا يعكس أي صورةٍ، ولو بأي قدر من الدقة، عن العالم الحقيقي.
