بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عنوانٌ صادمٌ دون أدنى شك. فلم يرد في تراثنا نَصٌّ كهذا. فالعبادات التي نعرفها لا تصرِّح من قريب أو بعيد بهذا.
بدايةً، لا يختلفُ إثنان على أن كثيراً من العبادات التي نمارسها لم يرد بشأنها نصٌّ صريحٌ يحددها بما هي عليه اليوم، وذلك لأنها تطبيقات لقانون تعبُّدي ورد في التراث نَصُّه، مبنى ومعنى، وجاءت الأزمان بسياقات تجلى فيها هذا القانون بهذه التطبيقات. فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الأثر المحمدي الشريف أنه قال: “إماطةُ الأذى عن الطريق صدقة”. ولا أظن أن هناك مَن يجادل في كون الصدقة عبادة! فإن صحَّ عندك أن يكون الطريق محفوفاً بالمكاره وبالأذى مما استوجب أن يكون تطهيره منها عملاً صالحاً، ارتقى صفةً ليكون صدقة، فما بالك لا تبادر إلى تراثنا المُتخَم بكل مكروه وبما يصعب حصره من مفردات الأذى لتطهّره هو الآخر ويُحسب لك بهذا من الأجر الكثير الكثير؟! إن كثيراً جداً من مآسينا التي لا يبدو أننا نرغب في أن نفارقها لفرط ما اعتدنا على أن نعيشها بكل جوارحنا، ما أصبحت كظلِّنا الذي يأبى أن يفارقنا إلا لأننا ارتضينا لأنفسنا أن نقف موقفاً سلبياً غير نقدي من هذا التراث الذي حملناه على ظهورنا حتى كادت أن تنقصم لفرط ثقله! فأن يكون القرآن العظيم مقدساً حرفاً وكلمةً وآية، فهذا مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف. ومن بعد هذا فبالقرآن العظيم هذا نقرأ تراثنا بمفرداته كلها جميعاً، فما اتفق معه فهو الحق الذي ينبغي أن نصحح به باطلنا، وإن اختلف فلا خلافَ على وجوب أن نطَّرحه لنتخفف من ثقله ونحن نسير على طريق الله داعينَ إليه هدايةً لمن أُمِرنا أن نستقيمَ ليؤذَن لنا من بعدُ بهذه الدعوة. فلا يُعقل أن نُبقي على كل ما جاءنا من الماضي لا لشيء إلا لأنه ماضينا نحنُ، ونحنُ من نحن كما لابد تعلم!
إن هذا الإسباغ للقدسية على كل مفردةٍ من مفردات تراثنا لهو الكفر والشِرك والفسوق والعصيان، ولبئس الإسم! لقد آن الأوان، ومنذ وقتٍ بعيدٍ جداً، لكي نُعمِل هذا القرآن في تراثنا لنقرأه بنوره الإلهي فلا نُبقي على باطلٍ لمجرد أنه قد كتبه الأولون من السلف الذين يبدو أننا قد أفرطنا في تقديسهم إلى الحد الذي نسينا معه أن المقدس الوحيد هو ما قدَّسه الله تعالى وليس ما اصطلحنا وتواضعنا عليه نحن الذين نزعم أننا عباده الصالحون المتقون! فكيف يستقيم عندنا أن نساوي، ونحن نقرأ هذا التراث الموبوء بعلل وأمراض شتى، بين المؤمن والفاسق، والصالح والطالح، ومن قضاها عبادةً لله آناء الليل ودعوةً إليه أطراف النهار وبين من كان ليله كنهاره استغراقاً منه في التمتع بالموبقات وتعدِي الحدود نهباً وسرقةً وتقتيلاً؟! إن إسباغنا الصلاح على كل من هبَّ ودب لا لشيء إلا لأنه من السلف الذي لا نرتضي أن يكون إلا صالحاً، لم يعد علينا إلا بما ترى من حولك ديناً تفرَّقنا عنه أحزاباً وجماعات وشيعاً، كل “يدّعي وصلاً بها وهي لا تُقرُّ لأيهم بذاكا”!
أقول هذا وأنا أكادُ أتقطَّع غيظاً وغضباً لمن يعطِّل قانون الله الذي به حكم على المفسدين في الأرض، لا لشيء إلا لأن هؤلاء هم من السلف الذي افترضنا، هكذا ودون أي دليل، أنهم كلهم جميعاً صالحون أتقياء أبرار. إن إعراضنا عن إماطة الأذى من تراثنا الزاخر بكل ما يؤذي، لهوَ كفيلٌ بجعلنا لا نغادرُ مأساةً إلا لندخل في دوامة مأساة أخرى. ولك أن تنظر إلى واقعنا من حولك لترى بأم عينك ما عادَ به علينا هذا الإفراط في التقديس لتراثنا. فلقد اجترأنا على الحرمات وتعدينا الحدود وشرَعنا يكفِّر بعضنا بعضاً، وطفقنا نتقاتل فيما بيننا وكلٌّ يزعم أن رايته هي راية العُقاب! فهل توقفنا، ولو لوهلة، لنسأل أنفسنا عن هذا الذي جعلنا نتردى إلى هذا الدرك من الانحطاط، أفراداً وحضارة، ونحن الذين كان قدَرنا أن نكون خيرَ أمة أخرجت للناس؟! إن إعادة كتابة تراثنا، ضمن المنهاج الأوسع الذي تقضي به إعادة كتابة التاريخ، لهو من الأعمال التعبدية الجليلة لأن بها سيتسنى لنا أن نزيح ونميط عن طريق مستقبل الأمة كل هذه الجلاميد من صخور قلوبٍ هي كالحجارة أو أشد قسوة. وليس هناك من سبيل غير هذا إلى واقعٍ بديل يكون لنا فيه أن نحيا هذه الحياة الدنيا كما أرادها الله أن تكون ساحةً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بعد إيماننا به كما أمر استقامةً صارمةً لا تُبقي ولا تذر على شيء مما يخالف ما دعانا اللهُ إليه من وجوب مخالفة الهوى ومحاربة ما يدعونا إليه من تأليهٍ لأوثانٍ وأصنام الأسلاف الذين كان ينبغي علينا، ومنذ زمانٍ بعيد، أن نُعمل فيهم ضرباً باليمين كما فعل من سمَّانا المسلمين من قبلُ إبراهيم عليه السلام. وحتى لا يكون كلامي كلُّه تنظير في تنظير، لي أن أجيء بمثالٍ واحد على ما آل إليه مآلنا بهذه اللامبالاة منا حيال ما كان ينبغي علينا أن نكون مبالين به قلباً وعقلاً. فنحن نقرأ القرآن دون تدبُّر، وإلا فكيف لك أن تفسِّر تعطيلنا لكثير من نصوصه المقدسة إذا كان ما يرد فيها يضطرنا إلى أن نحكم حكم الله على أصنامٍ وأوثان من تراثنا قدَّسناها فأدخلناها الجنة هكذا ودون أن نعي أن الله قد حكم عليها من قبلُ بالتخليد في النار؟!
إن عشرات من هذه الأوثان، التي لا نرضى إلا بأن تكون عندنا مقدسةً منزهةً عن حكم الله هذا عليها، يمكنك وبكل بساطة أن تطّرحها في نار جهنم وبئس المصير ما أن تقرأ ما قامت به من اعتداء على حرمات الله بقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. وهذا ما أنت واجده في الآية الكريمة 93 النساء (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
إن تعطيلك هذا الحُكم الإلهي الصادر بحق هذه الأوثان العفنة لا يمكن لك أن تعلل له بأن الله غفورٌ رحيم، وأن الأمر كله له، وبالمعنى الذي تريد. فالله تعالى قد حكم في هذه الحياة الدنيا على هؤلاء القتلة المجرمين بالتخليد في النار ولن يعود عن هذا الحكم ليُرضي هواك وليكون تعالى كما يشاء لك هواك حاشاه واستغفر الله!
إن من حكمت عليه آيات القرآن العظيم بدخول نار جهنم والخلود فيها، لا يمكنك هكذا وبهوىً من نفسك، أن تخرجه منها، أو أن لا تدخله فيها أصلاً لا لشيء إلا لأنه من “الأصنام المقدسة” التي حفل بها تراثنا، ومادام هو من الأسلاف الذين على ما يبدو لا رغبة لنا في الإعراض عن عبادتهم ماداموا أسلافنا نحن، ونحن من نحن كما لابد تعلم.
