بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
راج فينا وشاع ما تناقلته ألسن العامة والخاصة من أن الله تعالى لم يكن لنا أن نعرف به بدلالةٍ مما نعرف به عادةً الأشياء، فما هو بمرأي ولا بمحسوس ولا بمسموع ولا بملموس. وهكذا، فمادام الله تعالى هو ليس مما يمكن لحواسنا أن تقع عليه فتدرك وجوده، فكان أن عرفناه بالعقل. ولقد لخَّصها صاحبنا أبو المثل بمقولته الشهيرة “لم نر الله بالعين بل عرفناه بالعقل”. وهذا في يقيني تجاوزٌ فجٌّ على الحقيقة، وهو بعدُ مبالغةٌ في النظر إلى العقل بعينٍ ترى فيه ما ليس فيه. لقد خلق الله تعالى العقل من مادة هذا الواقع، ماءً وتراباً وطيناً. وهو بذلك لم يجعله قادراً على أن يتعامل معرفياً مع مفرداتٍ غير واقعية لا تُشارك واقعه الذي خُلق منه تجلياتٍ وانتماء. والعقلُ إذاً ليس بوسعه أن يحيطَ علماً بما هو غير واقعي. وإن أنتَ افترضتَ أنه قادرٌ على الوصول إلى ما هو غير واقعي بواحدةٍ أو أكثر من عملياته العقلية، استقراءً واستنتاجاً، فإن الأمر لن يكون بمنأى من أن تشوبه شائبةٌ من ما يتميز به العقل من مقدرةٍ فذة على توهُّم وجود ما ليس بموجود. إن القراءة المتأنية المتدبِّرة لتاريخ الفكر الإنساني، منذ البدايات وحتى يومنا هذا، لا يمكن إلا أن تقطع بعجز هذا العقل عن أن يصل إلى يقينٍ بشأن ما هو مغيَّبٌ مادامَ هذا المغيَّب هو بحكم التعريف لا يمكن له أن يكون مفردةً من مفردات عالَم العقل الذي هو مفردةٌ من مفردات عالم الشهادة. إن العقل لم يكن له أن يتوصَّل إلى أن هناك إلهاً هو الله حتى ولو امتدَّ به الزمان منذ آدم وإلى يوم القيامة في إعمالِ فكرٍ منه على مدى الساعة. ولذلك كان لزاماً على خالق العقل أن يعرِّفه بوجوده تعالى مادام هو عاجٍزٌ عن أن يعرف أنه الرب الذي خلقه. إن هذا العجز للعقل عن أن يكون بمقدوره أن يكتشف أن الله تعالى موجود، لَيتفق مع ما جاءنا به قرآن الله العظيم الذي علّمنا أن الإنسان ما كان له أن يعلم ما لم يُخلَق ليكون عالماً به. وهذا ما جاءت به الكلمات القرآنية الأولى لتُذكِّر العقل بعظيم فضل الله عليه إذ علّمه ما لم يكن يعلم؛ أي ما لم يكن له أن يعلمه لولا هذا الفضل من الله. ومادام السياق قد استوجب أن أذكر أول ما نزل به القرآن العظيم، فإني أرى أني مُلزَم بدحض وهمٍ رسخَ فينا إذ ظننا أن القلم الذي علّم به اللهُ تعالى الإنسان هو القلم الذي نعرف (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). إن القلمَ الذي ذكرَته سورة العلق هو قلم الله تعالى الذي به خطَّ في عالم غيبه كُتُبه التي أنزلها على مَن شاء من رسله رحمةً وهدايةً للناس. فكل ما سطرَه هذا القلم الإلهي من علمٍ بالله، وبيومه الآخر، وبالطريق إلى النجاة من عذابه يوم القيامة، وبالفوز بالجنة، هو من الغيب الذي لم يُخلق العقل ليتعامل معرفياً معه وبما يجعل منه قادراً على أن يتوصل إليه دون أن يمدَّ له الله تعالى يد العون الإلهي.
أختم فأقول صدق الله القائل إن الهدى هدى الله. فلا يمكن للعقل، بهذا الذي قرره الله تعالى قانوناً، أن يكون بمقدوره أن يهتدي لولا هدى الله. وصدق من قال “واللهِ لولا الله ما اهتديت”.
