الإرشاد عبادة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا إله إلا اللهلملالي الشريعة أن يُذكَّروا بأنهم العلة وراء ما انتهى إليه أمر الأمة من تصارع واحتراب وسفك دماء وإفساد في الأرض. فهم الذين فرضوا الوصاية الشاملة المطلقة على الدين، وهم الذين صاغوا الخطاب الديني المتشدد المتطرف المتعجرف الفاشل؛ هذا الخطاب الذي استمرأ التعدِّي على حدود الله تعالى تعطيلاً وإقصاءً كما يتجلى أماماً من أعيننا التي تنظر إلى واقعنا الأليم فلا يعجزها أن ترى فيه ما تسبب به ملالي الشريعة من مدن مدمَّرة وسكان مهجَّرين. فما الذي حدث حتى أصبح الدين، الذي أنعم الله تعالى به علينا لنكون مِلاك القيادة المؤمنة في الأرض، العِلة وراء تخلُّفنا وانحطاطنا الحضاري إلى درَك غير مسبوق في تاريخ الأمم؟ إني لن أظلم الملالي إذا ما أنا نِحتُ باللائمة عليهم بخطابهم الذي أفسدوا به عقول شباب الأمة، ولقعودهم عن إصلاح هذا الخطاب وهم ينظرون إلى هذا الشباب وهو يتصارع ويولغ بعضهم في دم البعض، والكل يزعم أنه مقاتلٌ قاتلٌ مقتول على طريق الله إلى الجنة! كان الأجدر بملالي الشريعة أن يخاطبوا شباب الأمة بخطابٍ يستنهضهم ليثور الواحد منهم على نفسه فيصيّرها بالعبادة المثلى نفساً آمنةً مطمئنة لا أن يحرِّضوهم ليقتل واحدهم نفسه ويقتل بها أنفساً أخرى! فالدين ثورة على النفس لا قتلاً لها ولتقتل الآخر من بعدُ!

واللهِ لقد سئمنا من هذه الخطب الجوفاء لملالي الشريعة التي صدَّعوا بها رؤوسنا بصراخهم الهستيري وبمفرداتها التي ملَّت هي ذاتها من تكرارهم لها كل جمعة وعلى مدى عقود لا يبدو أنها في نظرهم زماناً يجب أن يُعامَل كسلعة نفيسة بدل هذا التبديد والهدر بلا طائل.

إن الحل للخلاص من هذا الذي أصاب الأمة في مقتل لا يكمن في إصلاح الخطاب الديني كما يتوهم الكثيرون، ولكن الحل هو بإصلاح نظام التعليم الديني الذي إن لم نفعل فلنا أن نتوقع المزيد من المآسي والكوارث ما دامت مدارسنا الدينية لا تنتج إلا كل من هو متعجرف متطرف متشدد!

فنظام التعليم الديني الذي بين أيدينا يعتقد أن جُلَّ ما ينبغي للطلاب أن يتعلموه هو هذا الذي يجعل من واحدهم بمقدوره أن يعتلي منبر الجمعة ليصرخ بصوتٍ هستيري بتلك الكلمات العتيقة التي لا يُرتجى منها أن تؤثر في سامعيها لتجعل واحدهم المسلم الحق. إن التعليم الديني لا ينبغي أن يقتصر على تلقين المعارف والعلوم ذات الصلة بالدين. فهذا ما عادَ على الأمة إلا بالخبال متجلياً بفنونٍ دونها فنون الجنون!

التعليم الديني هو تعليم الأدب والأخلاق والمعاملة قبل أن يكون تحفيظاً لنصوصٍ لن تفارق ألسنة متعلِّميها لتجعل منهم ممارسين لما يدعون الغير إليه. فليس الدين بأقوالٍ نرددها على مسامع بعضنا البعض، بل هو معاملتنا بعضنا البعض بما أمر الله تعالى وبما علّمنا إياه رسوله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.

وحتى يصار إلى إصلاح نظام التعليم الديني في مدارسنا، فعلينا في هذه الأثناء أن نلزم الإرشاد سبيلاً وحيداً، هذا إذا ما نحن حقاً أردنا الإصلاح ما استطعنا. والإرشاد هو عملٌ وحال قبل أن يكون مجرد مقال. وهو لذلك عبادةٌ إذ هو يطالبك بأن لا يكون كل حظ الدين منك مجرد كلمات تسمعها بهذه الأذن ليتحدث بها لسانك من بعدُ دون أن تفعل فعلها فتغيّرك من حالك الذي أنت عليه إلى حال أفضل، وذلك بجعلها إياك تعمل دونما كلل على إصلاح نفسك قبل أن تطالب الآخرين بالصلاح.

والتصوف هو الأجدر بأن يتكفل بمهمة إصلاح نظام التعليم الديني لدينا، وهذا ما أعِدُ بالعودة إليه إن شاء الله في منشور آخر لأبيّن فيه لماذا بمستطاع التصوف القيام بهذا الذي يُرتجى لينصلح حالنا أفراداً وأمة.

أضف تعليق