بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قد يؤاخذني البعضُ لأنني في نظره دائماً ما أحمل على ملالي الشريعة. وقد يُعلَّل لهذه الحملة مني على ملالي الشريعة بأنني ذو ميول صوفية تجعل مني ميالاً إلى التهجُّم عليهم دونما وجه حق. واليوم، إذ أكتب هذا المنشور، فإني وأنا أشن الحملة على ملالي الصوفية، لأرجو ألا يكون في هذا دافعاً للظن بأنني ما قمتُ بهذه الحملة عليهم إلا لأبدو في أعين نقادي متزناً موازِناً بين من استهدفتهم بالأمس بانتقاداتي، ومن أستهدفهم بها اليوم. فإذا كان ملالي الشريعة قد أفسدوا أكثر مما أصلحوا بخطابهم المتعجرف المتشدد المتطرف المُبعِّض، فإن ملالي الصوفية قد جاروا على التصوف بسكوتهم عن كثيرٍ من الممارسات اللاصوفية التي يقوم بها مريدوهم مما عادَ، بالضرورة، على التصوف باتهام له بأنه ضديد الشريعة ونقيضها. وحتى نقارب التصوف مقاربةً تجعلنا نعرفه كما هو حقاً، وليس كما يريدنا مدّعوه أن نعرفه، فلنا أن نقوم بالتعرف عليه وفقاً لما صحَّ عن بعض المتكلمة من أن تعريف الشيء بما هو حقاً عليه إنما يكون بتفنيد ما هو ليس عليه.
فليس التصوف ثقافةً تحوزها بقراءتك أدبيات المتصوفة وما كتبوه من كلام جميل تحفظه وتردده من بعدُ ليُقال عنك إنك متصوف.
وليس التصوف انتماءً إلى عائلة صوفية تشرّفت بأن كان جدها الأكبر صوفياً، فتكون أنت صوفياً كذلك لمجرد انتسابك العائلي هذا.
وليس التصوف ببيعةٍ تقوم بها وتكتفي بذلك دون أن تُتبع البيعة هذه بإلزام نفسك بالعبادة كما التزم بها مشايخ التصوف وأساتذته منهاجاً وحيداً للسير على طريق الله وللوصول إليه تعالى.
وليس التصوف صرخات هستيرية في حلقات الذكر ومجالس المديح، ولا هو بحركاتٍ جنونية تتحرك بها هكذا وبلا وازعٍ ولا رادعٍ من وجوب لزوم الأدب في حضرة الله تعالى وأهله لا لشيء إلا ليُقال عنك أنك من أصحاب الحال.
وليس التصوف أن تستغل الخلْق فتأخذ ما في جيوبهم لتسكن القصور وترفل بلذيذ العيش وأطايبه بينما يرزحوا هم في فقر مدقع وفاقةٍ ما بعدها فاقة.
وليس التصوف الإعراض عن العبادة كما شرعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأقواله وأفعاله وأحواله بحجة أن العبادة هي لأهل الشريعة، أما أنت فمادمت من “أهل الحقيقة” فلست ملزماً بها!
وليس التصوف بأن تسيء الظن بكل من حولك وتحسن الظن بنفسك مادمت قد تصوفت بينما ليسوا هم بالمتصوفة، فتنسى بذلك أنك إذ تصوَّفتَ وكان لك أن تنظر إلى غير المتصوفة بأنهم على شيء من السوء، فإنما يتوجب عليك قبلها هو أن تنظر إلى نفسك فتراها هي الأسوأ.
والآن، إذا لم يكن ما جاء أعلاه هو التصوف، فما هو التصوف إذاً؟ هذا ما سأعود إليه إن شاء الله في منشور لاحق.
