“التصوف علم العلوم”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 لم أكن لأشن الحملة شعواءَ على ملالي الشريعة فاستثني ملالي الصوفية من أوارها ومستعر نارها. فكلا الفريقين في الضلالة سواء. ولكن لا يختلف اثنان على أن أكثر أفراد الأمة هم ليسوا ذوي ميول صوفية، وبالتالي فالأكثر شيوعاً هو الأوفر حظاً لأن يُستهدف بالحملة. غير أن ملالي الصوفية هم من يستحقون أن يُستهدفوا بالكلام الأشد غلظة ماداموا هم من كان ينبغي أن يكونوا لملالي الشريعة القدوة في حُسن الالتزام بأقوال وأفعال وأحوال سيد الأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. غير أن واقع الحال بوسعه أن ينبئ بخلاف هذا المأمول. فلم يأخذ ملالي الصوفية من التراث الصوفي الثَّر غير كلمات التقطوها من هنا وهناك، وبعضاً من أحوالٍ وأفعال قلَّدوا بها مشايخ الصوفية ليُظنَّ أنهم هم أيضاً متصوفة من أهل الحقائق والأذواق!

a key of heartإن التصوف، كما عرَّفه أستاذي قدّس الله سره العزيز، هو “علم العلوم”. وهو بذلك لا يمكن ألا يكون له رأي هو الرأي السديد في كل ما يَعرض للمريد مما يستدعي منه أن يعرف “العلم الحق” بشأنه. وإذا كان التصوف هو كما عرّفه أستاذي قدّس الله سره العزيز، فإن الشيخ المتصوف أستاذ الطريقة لا يمكن أن يكون إلا ذا علمٍ محدودٍ بلامحدودية ما يعنيه “علم العلوم”، وإلا فلن يكون “الأستاذ المنشود” الذي له على مريده ما أوجبه مشايخ التصوف وأساتذة الطريق إلى الله. لذا فمعيارك الذي بوسعك أن تتبين ما إذا كان من اتخذته أستاذك في التصوف هو بحق كذلك، هو أن يكون هذا الأستاذ ذا علمٍ هو “علم العلوم”.

ولقد قلتُ في منشور سابق إن بوسعك أن تتبين أستاذية شيخك وذلك بأن تنتظر وقتاً ليس بالطويل بعد أن تسلك طريق الله على يديه منضبطاً بضوابط هذا الطريق، وتنظر لترى هل سيتجلى هذا الانضباط منك عليك بما ينبغي من كرامات، وإلا فلا مفر من أن تبادر من فورك إلى الفرار منه كما كنتَ لتفرَّ من أسد جائع. وبيت القصيد هنا أنك إن لم تسمع من شيخك الذي اتخذته أستاذك في التصوف من العلم ما يكون “علم العلوم”، وإن لم يتجلَّ عليك من “علم العلوم” هذا شيء تجليَ كرامةٍ، فليس أمامك إلا أن تقر بأنك قد أخطأت باتباعك هذا الذي ظننتَ أنه “الشيخ الأستاذ”.

أختم فألخص قائلاً إن “الشيخ الأستاذ” الحق هو الذي ينفعك به الله تعالى إن أنت اتَّبعته منضبطاً بأقوال وأفعال وأحوال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولذلك لن يكون شيخك الذي اتبعت الأستاذ الذي نشدتَ إن هو عوِض أن تحصل به على حقك ومستحقك من “علم العلوم”، حصلتَ على ما سيجعل منك تضل ضلالة بأكثر مما كنت عليها قبل أن تتبعه.

إن التصوف، إذ هو “علم العلوم”، ليس له أن يشغلك بشواغل أهل الدنيا من حب الرياسة والزعامة والتطلع إلى سدة الحكم والتوسل إلى تحقيق ذلك بالتحلِّي بكل ما جُبل عليه دهاقنة السياسة من مكرٍ ودهاء وخبثٍ وتحايل. فعلم العلوم صفاء بلا كدر، والسياسية كلها كدر، وهما لن يلتقيا أبدا. 

أضف تعليق