بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
في أحد أيام شهر شباط (فبراير) من عام 1979، وبينما كنت أجول على مكتبات شارع السعدون في بغداد الحبيبة الجميلة، وقعتُ على كتابٍ للكاتب الانكليزي الشهير كولن ويلسون بعنوان “الإنسان وقواه الخفية”. ومازلتُ أذكر ما غمرني حينها من شعور دافق بسعادة لا توصف وأنا أقلِّب صفحاته بقراءةٍ سريعةٍ لفرط ما كانت تحويه من معارف مستفزة للعقل مثيرة للتفكير. أذكر أنني قرأت الكتاب أربع مرات خلال ذلك العام. وإني مازلتُ على رأيي حينها بأن المترجِم قام بعمل متقَن إذ كان واضحاً مقدار الجهد الذي بذله ليستوعب المعنى وينقله بعربيةٍ سليمة، فكان أن جاء الكتاب كما لو أن كولن ويلسون قد ألَّفه باللغة العربية.

على أي حال، لم يكن لي حينها أية آراء مستقلة بخصوص ما كنت أقرأ؛ فكان أن احتفظتُ بكل ما جاء به الكتاب داخلاً من عقلي دون أي تعليق مدحاً أو قدحاً. وكان لي بعدها بعامين أن أخذَتْ تتراصف في عقلي أولى الأفكار التي شرعتُ في ملاحظة أنها كانت لتخالف ما ذهب إليه كولن ويلسون من أن داخلاً من كل إنسان يوجد منجم من الطاقات والإمكانيات والقوى والقدرات التي تنتظر مَن يستخرجها لتتجلى في الواقع ظواهرَ خارقةً للعادة. فقد أصبح واضحاً لي حينها أن هذا الإصرار من لدن كولن ويلسون، وغيره من العلماء والمفكرين، على وجود هذه الطاقة الإنسانية الكامنة لهوَ تخبُّط في متاهات الوهم والافتراض. وأخذتُ بحشد عشرات الأدلة والوقائع التي تثبت أن الإنسان لا يمكن له على الإطلاق أن يكون العلة وراء حدوث الظواهر الخارقة للعادة، وذلك على قدْر تعلُّق الأمر بفيزيائها، أو بعبارة أخرى بالطاقة المسبِّبة لهذا الحدوث.
إذاً انتهيتُ إلى حقيقتين كان عليَّ أن أخلص منهما إلى حقيقةٍ ثالثة دون أن أعتمد ما ذهب إليه كولن ويلسون والآخرون. الحقيقتان هما: الظواهر الخارقة للعادة واقعٌ لا يمكن دحضه أو إنكاره، وذلك بشهادةٍ من أنها تحدث حقاً وحقيقة. والإنسان كيانٌ فيزيقي لا يمكن له أن يكون مسؤولاً عن هذا الحدوث مادام مكنونه لا يمكن بحال أن يمتد ليتجاوز هذا الفيزيقي فيه إلى كيانٍ ميتافيزيقي هو بحكم التعريف محض خيال. والحقيقة الثالثة التي فرضَتْ وجودها عليَّ فرضاً هي أنه يتوجَّب عليَّ، وبناء على ما تقدم، أن أقر بأن هناك وجوداً لطيفاً خفياً هو المسؤول علَّةً طاقية عن هذا الذي يحدث في الظواهر الخارقة للعادة. وبذلك يكون الإنسان محلاً لتجلِّي هذه الطاقة غير البشرية التي تجعل منه، ومما يحيط به، مجالاً ومسرحاً لتستعرض مكنون قوتها دون أن يكون له أي دور طاقي في الأمر. فالطاقة المسؤولة عن حدوث الظواهر الخارقة للعادة لا يمكن على الإطلاق أن تكون طاقة هذا الإنسان المحدود فيزيقياً والذي لا يمتلك أي امتداد ميتافيزيقي خارجاً من فيزيقاه البشرية.
وهذا كله ساقني سَوقاً إلى نحت مصطلح “بارامان” (Paramann)، والذي حرصت على أن يكون اشتقاقي له يتجلى فيه هذا العجز الكامن في صُلب البُنية البشرية عن المقدرة على التسبُّب الطاقي في إحداث أية ظاهرة خارقة للعادة، حرصي على أن يكون غير خافٍ ما بمقدور ما يحيط بالإنسان من طاقاتٍ غير بشرية لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بأي تصوُّر يتوهم أن للإنسان امتداداً ميتافيزيقياً.
وهذه وأيم الحق لنقلةٌ تطورية في النظر إلى الإنسان لتراه كما هو: مخلوق عاجز كل العجز عن أن يكون العلة وراء الميتافيزيقا وإن كان بمقدوره، إن هو أراد، أن يستعين بـ “الميتافيزيقا غير البشرية” ليتحقق له بذلك، وبذلك فقط، ما يُمكِّنه من أن يكون “إنساناً خارقاً للعادة”، وذلك بأي معنى يمكن لخيالك أن يصوِّره لك.
