من جاء من بماذا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يبدو أنني قد استمرأتُ أن أستذكر من ما تسنى لي حشده خلال ما انقضى من أعوام من أمثلةٍ على وجوب أن لا نأمن لكل ما نظن أن الأمان بملازمته، عزوفاً عن كل ما يمكن أن يجنح بنا بعيداً عنه صوب تغريباتٍ لن تعود علينا إلا بما تعود به البِدَع والضلالات.

أقدِّم بهذه الكلمات لما أنوي أن أخصص له حديثي في هذا المنشور.

لنتدبر الآية الكريمة 6 من سورة الصف (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ). سؤال أتوجه به إليك: مَن جاء مَن بالبينات؟ أظنك ستسارع إلى الإجابة بأن مقصود النص القرآني هو أن سيدنا محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم كان قد جاء معاصريه من بني إسرائيل بالبيّنات على أنه رسول الله حقاً وحقيقة، ولم يكن منهم إلا أن قالوا عن هذه البينات، التي هي الشواهد والبراهين والأدلة، إنها سحر مبين.

إسم محمدأنا لا أظن ذلك. فعندي يكون ما حدث هو أن سيدنا عيسى عليه السلام، إذ كان قد بشَّر قومه بمَقدم أحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه لم يدعهم في حَيص بَيص هكذا ودون أن يُدلل ببراهين قاطعة وأدلة حاسمة على أن ما بشَّرهم به لابد وأن تجيء الأيام فيما بعد مصدِّقةً له. فكان أن أراهم عليه السلام وصفه (صلى الله تعالى عليه وسلم) صورةً تجلَّت بإذن الله تعالى أمام أعينهم فكانت لكأنهم ينظرون إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فيرونه ماثلاً أمام أبصارهم. وبكل تأكيد، ما هو متوقع هنا من القوم الذين تعرف هو أن يكون رد فعلهم هو الرد ذاته الذي وثَّقته الآية الكريمة 110 من سورة المائدة (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِين).

ألم أقل لك إنك لن تستطيع أن تفسِّر القرآن إلا بالقرآن، كما علّمك أستاذ الأمة كّرم الله تعالى وجهه؟

أضف تعليق