القرد الساقط

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تحدثتُ في المنشور السابق عن توجيه استراتيجي ينبغي عليك ألا تغفل عنه وأنت في هذا الخضم من التمحيص لأفكارك غربلةً وتدقيقاً، وذلك حتى لا تُسارع إلى اعتمادها أو اطِّراحها هكذا ودون أن يكون الأمر مستنداً إلى تمام الاحتكام إلى معاييرٍ صارمةٍ دون التقيّد بها لن يكون لك أن تأمن وقوعك في الإفراط في تقديرها، أو في التفريط فيها بخساً وتنقيصاً.

والآن، وفي هذا المنشور الذي أمام ناظريك، سأتحدث عن مثالٍ آخر يؤيد ما انتهيتُ إليه في منشوري السابق. ففي شتاء عام 1987، وتحديداً في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) منه، وقع بيدي كتابٌ بعنوان “The Naked Ape” (القرد العاري)، للعالِم البريطاني دزموند موريس. قرأت الكتاب مرةً تلو الأخرى حتى بلغ عدد هذه المرات أربعاً، وذلك لأنه قدَّم مقاربةً فريدةً مبتكرة للظاهرة الإنسانية علَّل بها للكثير من مفرداتها التي درجنا على الأخذ بها على أنها من البديهيات والمُسلَّمات، وفاتنا أنها ليست كذلك على الإطلاق. قدّم هذا الكتاب نظريةً متكاملةً أراد بها أن يعلِّل، ابتداءً، لواحدة من أهم ما يميِّز الإنسان عن سلفه الحيوان، وهو كونه لا يمتلك غطاءً شعرياً مما اضطره إلى ارتداء الثياب ليتقي بها البرد والحر. وهكذا تسلسلت التعليلات التي جاء بها الكتاب لتفسير جلي وغامض الظاهرة الإنسانية إنطلاقاً من هذه المقاربة التي هي بحق جديدةٌ وغير مسبوقة.

غير أنني، وإن كنتُ منبهراً بنظرية هذا الكتاب، لم أستطع أن أكظم ما كان يجيش داخلاً مني من رفضٍ لهذه التعليلات التي وإن كانت عبقريةً، إلا أنها لا تختلف في شيء عن تلك النظريات العبقرية التي تشكَّلت منها الفيزياء المعاصرة. فكان أن بدأت تتشكَّل في عقلي حينها البدايات التي تمخَّض عنها لاحقاً الهيكل التنظيمي لتصوّري لما حدث فجعل من الإنسان قرداً عارياً (Naked Ape)، وكانت هذه البداية التي أثمرت فيما بعد كتابي “نشوء وارتقاء آدم وحواء”، وذلك بعدها بثماني سنوات. ولقد لخصتُ أفكاري حينها (عام 1987) في كتيبٍ كتبته باللغة الانكليزية بعنوان “The Fallen Ape” (القرد الساقط). والسبب الذي حدا بي لنحت هذا المصطلح هو أنني كنتُ، ومازلتُ، أعتقد أن الإنسان بأصله القردي ما كان له أن يمشي على هذه الأرض، كما نعرفه، لولا أن هذا القرد قد خاض مخاضاً عسيراً انتهى به إلى ما أصبح عليه الآن، وذلك بعد أن سقط خَلَفه من السماء؛ من جنةٍ كان سقوطه منها محتوماً بعد أكله من شجرتها المحرَّمة.

والعجيب الغريب أنني، وبعد أكثر من عشرين عاماً على كتيبي هذا، علمتُ يوماً أن هناك كتاباً بذات العنوان “The Fallen Ape” (القرد الساقط)! سارعتُ إلى طلب هذا الكتاب عن طريق الانترنت. فلما قرأته تبيَّن أن كاتبه كان يقصد بسقوط القرد لا ما كنتُ أقصد إليه من سقوط من الجنة إلى الأرض، ولكنه كان سقوطاً من على الأشجار، التي كان يعيش عليها قرداً يأكل من ثمارها، إلى الأرض؛ هذا السقوط الذي جعله يضطر إلى تنويع مصادر غذائه فلا تكون مقتصرةً على الثمار، ولكن ليكون بوسعه أيضاً الاقتتات على لحوم ما يمكنه الحصول عليه من حيوانها والأكل مما بوسعه أن يحصده من غلالها. وهذا كله أدى إلى إحداث تغيير ثوري في سايكولوجيا وسوسيولوجيا وفسيولوجيا هذا القرد الساقط من أعالي الأشجار، ليصبح هذا الإنسان الذي نعرف.

والآن، أليس من العجيب هذا التطابق بين عنوان كتيبي عام 1987، وعنوان هذا الكتاب، وإن اختلفا مضموناً اختلافاً بيِّنا؟ هذا دليلي الآخر على أن الأفكار ليست بتلك البساطة التي تتخيَّل، وأنها مفرداتٌ تتشكَّل منها شبكةٌ معقدةٌ من العلاقات والتفاعلات التي ليس باليسير الإحاطة بها على ما هي عليه حتى يكون لك أن تتعامل مع هذه الأفكار بهذا الاستخفاف الذي لا ينبغي أن يكون ما يميّز مقاربتك للعقل إذ يُعمل فكره في الوجود أخذاً للظواهر وإعراضاً.

أضف تعليق