بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
اعترض عليَّ صاحب لي بأنني أبالغ في الحديث عن الماضي الحيواني للإنسان، وأن الأجدر بي أن أتحدث عن ما أزعم بوجوده من أصول أخرى غير هذا الحيوان الذي لا يدري سرَّ كل هذا الانبهار به من جانبي. فما كان مني إلا أن تحدثتُ له عن ما لهذا الماضي، الذي يظن أنني أغالي في العودة إليه، من تأثيرٍ إذ هو يضرب بجذوره في أعماقنا فإنه يُظهر ذاته جليةً في كثير من السلوكيات والتصرفات التي نفشل في أغلب الأحيان في أن نفهمها أو نتفهمها. وضربتُ له مثلاً بهذا الذي صدَّع به رأسي خلال الأسابيع الأخيرة.
فلقد كان صاحبي هذا مهموماً مشغول البال على الدوام، وذلك لعجزه عن أن يفقه علةً لهذا التحول المفاجئ في سلوكيات وتصرفات ولده الذي ما أن أصبح مراهقاً حتى انقلب الحال به من الهدوء والمطاوعة والإطاعة إلى التمرد والثورة الهوجاء وقول “لا” لسبب أو بدون سبب.
استغضتُ في تبيان ما أظن أنه العلة وراء هذا التغيُّر الصادم المفاجئ، وذلك بالعودة مرةً أخرى إلى ماضينا الحيواني الذي ليس لغيره من أصولنا المتعددة أن يكون بمقدوره أن يُعين على فقه ما حدث وسبَّب هذا التغيُّر. فلقد خلق الله تعالى الطبيعة لتكون مصطرعاً للحياة البايولوجية وهي تعمل جاهدةً طائعةً لتنفيذ أمره الإلهي بغزو أرض هذا الكوكب غزواً منهجياً منتظماً، وذلك بأن تنتشر في عموم ربوعه وكل أصقاعه انتشاراً حتَّم عليها أن تجعل الأنواع الحية ملتزمةً بضوابط لا تحيد عنها فألزمت أفرادها بأن يكون ديدنهم، وأن يضعوا نصب أعينهم، ألا يقصِّروا في تنفيذ برنامجها التصميمي الذي يدفع بهم دفعاً إلى تكثير الأنواع التي ينتمون إليها. ولذلك فإن هذا التكثير، إذ هو موقوت بوصول الفرد إلى سن معينة، فإنه لا يمكن له أن يتم ويتحقق على الوجه الأكمل إلا بتغيير جوهري في سايكولوجيا هذا الفرد، وبالكيفية التي تجعله متمرداً ثائراً هائجاً غير راض على الدوام، يؤثر قول “لا” على قول “نعم”، وما هذه كلها جميعاً إلا تجليات لما يعتمل داخلاً من نظام التكثير عنده، والذي لابد من أن تكون هذه التجليات العامل الحاسم في جعله يضيق ذرعاً حيث هو ضمن عائلته، وليكون بذلك الدافع الذي به يندفع صوب أرضٍ أخرى يبتعد بها عن العائلة ليكوِّن عائلة جديدة تضيف أفراداً جدداً إلى النوع، فيتحقق بذلك للطبيعة مرادها الذي به تُحقق ما أُمرت لتحقيقه، وهي الأَمَة الطائعة المطيعة لربها الذي لا رادَّ لأمره.
