بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الطبيعةُ من جُند الله تعالى الذين لا يعلمهم إلا هو. وهي بذلك ليس لها إلا أن تُنفِّذ ما خُلقت للقيام به دون أن يكون لها رأي أو رد فعل يخالف عن أمر الله تعالى. والطبيعةُ ميّزها الله تعالى بحياةٍ بايولوجية ثائرةً متدفقةً ليكون بمقدورها أن تنجح في الانتشار على بر وبحر وجو هذا الكوكب الجميل. وأنت إذا ما أردتَ أن تحيطَ بهذه الحياة علماً يجعلك قادراً على تبيُّن ما ميّزها الله تعالى به من قدرةٍ على الإفصاح عن وجوب وجوده تعالى، فما عليكَ إلا أن تتدبرها بعقلٍ سليمٍ من آفات النظر الحسير والإبصار الانتقائي والرؤية المؤدلَجة، ليكون بذلك، وبذلك فقط، بوسعك أن تراها مصطرَعاً وساحة حرب قائدها العام هو الله تعالى.
أنا لا أتفق إطلاقاً مع ما ذهب إليه التطوريون، بدءاً من داروين وانتهاءً بأمثاله وأشياعه في هذا العصر، من أن من أهم الآليات التي تتطور بها الحياة البايولوجية هو “الصراع من أجل البقاء” و”التكيُّف مع المتغيرات البيئية بوساطةٍ من الطفرات التغايرية (Mutations)”. فعندي تكون الطبيعة الطائعة المطيعة لله تعالى ساحةَ تحاربٍ واصطراع بين الكائنات الحية بعضها وبعض، وبينها وبين المستجدات في البيئة التي قدَّر الله تعالى لها أن تتعايش كلها جميعاً فيها. وإن أنتَ أردتَ أن تفقه هذا الذي حدث فجعلَ من التغايرات تشرع في الحدوث والنمو المضطرد، فما عليك إلا أن تُبقي عينك على الدوام على الحقيقة التي بموجبها كان لهذه التغايرات أن يكون هذا هو شأنها. فاللهُ تعالى هو الذي يُغيِّر وهو الذي يُغاير. فهو يُغيِّر مفرداتٍ بعينها في البيئة التي يحيا فيها نوعٌ حياتي، نباتياً كان أم حيوانياً، ويقوم في الوقت ذاته بإحداث تغيير في هذا النوع ليتساوق مع التغيير البيئي هذا.
إذاً فهو تغايرٌ بكل ما تعنيه الكلمة، استناداً إلى كونه تفاعل جَدَلي بين التغير البيئي إلهي المنشأ، والتغيير الإلهي للنوع ليتماشى تغايراً مع هذا التغيُّر. وليس لك بعدها أن تزعم أن الأمر جدُّ عسيرٍ عليك فقهه إذ تلجأ إلى القبول بتفسير التطوريين القائم على الطفرات التغايرية، وتنسى أن بوسعك أن تفقه الأمر بالاستناد إلى ما أسهبتُ في الحديث عنه أعلاه إذ أرجعتُ الأمر كله إلى الله تعالى، تغييراً في البيئة وتغييراً مقابلاً في النوع الحياتي.
إن الطبيعةَ الطائعة المطيعة لله تعالى، هي ساحة الحرب هذه بتغايراتها هذه، والتي حتَّمت على مفرداتها الحية أن تتفاعل فيما بينها، أو فيما بينها وبين البيئة التي تتعايش فيها، تفاعلاً جدلياً بكل ما تعنيه الجدَلية من معنى.
وأنتَ حتى تتيقن من أنك قد أصبحتَ على طريق الفقه السليم لما يحدث في الطبيعة من تغايرات دونها لا تطور ولا تغير، فما عليك إلا أن تمحِّص تدبُّرك لما يحدث فيها تمحيصاً يجعلك لا تنسى أبداً أن الله تعالى قد قصد بهذه العلاقة الجَدَلية بين البيئة وساكنيها، من نبات وحيوان، أن يتجلى دوام فعله فيها. فهو تعالى المتواجد فيها بهذا الفعل الإلهي، والذي لولاه لما كان لكل الأنواع أن تتناغم وتتجانس في تعايشٍ مشتركٍ دون أن يطغى نوعٌ على آخر فيُكتب له البقاء ويُقدَّر على الآخر الفناء، وفقما يتوهمه ويتخيله التطوريون. فسبحانك اللهم من إلهٍ قادرٍ حكيم دائم التدخُّل في صيرورة أحداث الطبيعة تدخلاً به يكون لها أن تحيا مفرداتها كلها جميعاً جنباً إلى جنب في تعايشٍ متناغم دون أن يطغى القوي، أو أن يتنحى الضعيف.
إن النظرةَ السليمة إلى الطبيعة لا يمكن لها أن تخطئ وجوب وجود مَن لولاه ما كان لها أن تستقر بهذا التناغم والتجانس ما بين مفرداتها في مشهدٍ له أن ينطق بهذه الحقيقة إن أنت أصغيتَ بقلبٍ سليمٍ فحسب.
