عروبة النبي الأمي صلى الله تعالى عليه وسلم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 أحمدكنت قد وعدتُ في منشور سابق بأن أعود إلى القارئ ببرهان على ما زعمتُ أن آيتَي النبي الأمي (صلى الله تعالى عليه وسلم) في سورة الأعراف (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) لهما علاقة بما وصفته بـ “عروبة حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم”. وها أنا ذا أفي بوعدي. فسوف أتحدث في هذا المنشور عن تفسير كلمة “الأمي” القرآنية هذه، التي إذ وصفَت حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنها قد وصفَت قومه أيضاً. فلقد وردت في القرآن العظيم آيات كريمة تشير إلى قومه صلى الله تعالى عليه وسلم بأنهم “أميون”. فما هو إذاً القاسم المشترك الذي يجمع بين النبي وقومه صلى الله تعالى عليه وسلم؟

لنعرِّج قليلاً على التفسير التقليدي لكلمة “الأمي”. يستند هذا التفسير إلى إرجاع هذه الكلمة إلى جذرٍ هو “الأم”، وذلك باعتبار أنها لا تقرأ ولا تكتب، وبالتالي فيكون وليدها لا يقرأ ولا يكتب هو الآخر نسبةً إليها! وهذا تفسيرٌ معتل؛ إذ من الممكن أن تكون الأم مُلمَّةً بالقراءة والكتابة. وإذا ما أردنا أن نتفحَّص السبب الذي جعل من التفسير التقليدي يُرجع اشتقاق كلمة “الأمي” إلى “الأم” الجاهلة بالقراءة والكتابة، فإننا واجدون أن أصحاب هذا التفسير أرادوا بهذا الاشتقاق أن يقولوا بأن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن يعلم شيئاً من كتب مَن سبقه من الأنبياء، وذلك لأنه ما كان يقرأ أو يكتب.

إن هذا التخريج لا مبرر له على الإطلاق مادام القرآن العظيم قد بيّنها واضحةً إذ نفى أن يكون الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على درايةٍ بكتب مَن سبقه من الأنبياء والمرسَلين قراءةً أو كتابةً، وذلك كما بوسعك أن تتبيّنه بتدبّرك الآية الكريمة 48 من سورة العنكبوت (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ). فبعد هذا التأكيد القرآني أن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن بقارئٍ لكتب من سبقوه من الأنبياء ولا بكاتبٍ لها، فإن التخريج الذي جعل أصحاب التفسير التقليدي للقرآن العظيم يذهبون إلى تفسير “الأمي” بأنه من ظل لصيقاً بأمه فلم يتعلم القراءة والكتابة، هو لا أكثر من تخبطٍ ما كان لهم أن ينزلقوا إليه لو أنهم اعتمدوا ما نصح به أستاذ الأمة كرّم الله تعالى وجهه من أن مَن أراد أن يفسر القرآن فعليه بالقرآن لا بشيء آخر.

وينبغي هنا أن أُدرج ملاحظةً جد هامة. فكُتُب مَن سبق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من الأنبياء لم تكن مكتوبةً باللغة العربية، ولا حتى مترجمةً إليها، إذ كانت مكتوبةً بلغةٍ غير عربية لم يكن يُتقنها من العرب غير نفرٍ قليلٍ جداً. لذلك فإنه من غير المنطقي أن نفسِّر “الأمي” بأنه من بقي كأمه لا يعرف القراءة والكتابة، وليكون تفسيرنا هذا هو الدليل على أن القرآن العظيم لم يكتبه حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم! فأصحاب التفسير التقليدي إذ أرجعوا اشتقاق كلمة “الأمي” إلى “الأم” ظناً منهم أنهم بهذا إنما يؤكدون استحالة أن يكون الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قادراً على أن يأتي بمثل هذا القرآن، إنما يبرهنون على جهلهم بالموضوع جهلاً مطلقاً. إن نفي القرآن العظيم درايةَ الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بأمور القراءة والكتابة لم يكن المقصود منه الإتيان بالبرهان على أنه لم يكن بذلك بمقدوره أن يكتب القرآن، ولكن كان المقصود منه أنه لم يكن بمقدوره أن يقرأ كتب مَن سبقه من الأنبياء فيعلم ما ورد فيها من خبرٍ جاء القرآن العظيم بمثله.

إذاً لقد فات أصحاب التفسير التقليدي كل هذا، وبذلك فقد تخبطوا في متاهاتٍ أبعدتهم كل البُعد عن المقصود والمراد بكلمة “الأمي”. والآن، إذا تبيّن لنا أن “الأمي” كلمةٌ لا تعني بحال ما يظنه أصحاب التفسير التقليدي، وأنها بذلك كلمةٌ لا يرجع اشتقاقها إلى جذرٍ ذي صلةٍ بالأم، فما هو إذاً السبيل إلى معرفة ما تعنيه هذه الكلمة؟

المفتاح هو بأن نقرأها كما وردت في آياتٍ أخرى إذ جاءت واصفةً قوم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. ولنا أيضاً أن نضيف ما ييسِّر لنا الأمر، وذلك بأن نتذكر المواطن القرآنية التي أبانت عن حقيقةٍ هامة تخصُّ الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إذ تُجلِّي حقيقة أنه نبيٌّ بعثه الله من نفس قومه (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ). خلاصة القول بعد هذا الذي تقدّم كله: لقد ابتعث الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم رسولاً من قومه وليس من غيرهم. وهذا الأمر إذ يبدو من البديهي عندنا، فإنه ليس كذلك عند غيرنا. ولكي أوضح الأمر، فإنه يتوجب علينا أن نقرأ المشهد الذي كان سائداً أيام بعثة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. كان أهل الكتاب من بني إسرائيل يستفتحون على العرب، ومنهم قريش، بأن الله سوف يبعث نبياً من عندهم، أي من عند العرب أنفسهم. وكان بنو إسرائيل يعرفون العرب ويُعرِّفونهم بأنهم “أميون”. وهذه الكلمة تعني عندهم أنهم أبناء هاجر أَمَة سارة زوج إبراهيم عليه السلام. فالعرب أبناء هاجر هم أبناء الأَمَة، أي “إمِّيون”، وواحدهم “إمِّي”. وهاتان الكلمتان تُقرآن “أُمي” و”أُميون”. وبذلك يكون “النبي الإمِّي”، أو “النبي الأُمي”، هو نبي بعثه الله من الإميين أو الأميين، أي هو النبي الأمي المبعوث من العرب. وهو بذلك لن يكون نبياً من بني إسرائيل من أبناء إسحق، ولكن سيكون من بني إسماعيل العرب.

إن كون النبي أمياً عربياً هو البرهان الإلهي على أنه رسول الله حقاً، وذلك لأنه، وبسببٍ من عربيته هذه، لم يكن بمقدوره أن يكون على درايةٍ بكتب بني إسرائيل المكتوبة بلغتهم غير العربية، وبالتالي فكيف له أن يعرف ما حوته من أخبارٍ جاء بها في هذا القرآن العربي إن لم يكن قد علِمها من الله تعالى؟ إذاً “النبي الأمي” هو النبي العربي، وعروبته هي حجته الإلهية التي تشهد له بصدق النبوة والرسالة. وهذا كل ما في الأمر.

أضف تعليق