الخلوة وخوارق العادات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كنت أتحدث قبل يومين عن مقالةٍ لي، من كتابي “الباراسايكولوجيا من الإلحاد والإيمان”، بعنوان “الخلوة الروحية والظواهر الخارقة”، فانتبهت إلى أن التلاوة التي كانت تصدر عن جهاز التسجيل حينها هي (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). وهنا توقفتُ هنيهة لأتدبر هذا التزامن العجيب. فالسيدة مريم عليها السلام انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وهي بذلك كانت في خلوة مع الله تعالى. ومما عادَت عليها خلوتها هذه مع الله تعالى من خير هو الذي جعل سيدنا زكريا عليه السلام يعجب كلما دخل عليها المحراب ليجد عندها من الرزق ما لم يكن له أن يفقه له مصدراً معروفاً. وهذا التزامن العجيب هو ما جعلني أقرر أن أعيد نشر المقالة لتكون منشوراً في مدونتي هذه:

أجمع أساتذة الطريقة ومشايخ التصوّف على مر العصور على أن الخلوة ضرورة لازمة يتحتّم على كل من سلك الطريق أن يمر بها من قبل أن يتسنّى له الارتقاء الى ما بعدها من المنازل والمراتب التي لا سبيل الى اجتيازها اِلاّ بتخطّي حاجز الخلوة. والخلوة عند الصوفية هي ابتعاد مؤقّت عن البشر وعكوف منهجي على العبادة المركّزة الخالصة وانقطاع عن المألوف من أنماط الحياة المعتادة الى سلوك انضباطي صارم يأخذ النفس بالحزم والشدّة. وهي بذلك تجربة قاسية على من لم يسبق له وأن أَلِف العزلة والاختلاء الى النفس، حيث لا صوت تسمع ولا أحد تحادثه ولا من يراك أو تراه. وهذا حصار على الحواس المألوفة ليس بالأمر الهيّن أبداً. اِلاّ أن هذا التعطيل المتعمّد للحواس الإنسانية التي دأب الإنسان على استعمالها بسبب من تواجده بين اِخوته من البشر يفسح المجال واسعاً أمام قابلياته الأخرى التي دأب على إهمالها لنفس السبب السابق. وهذه القابليات التي ستبرز بتشديد الحصار وتضييق المجال أمام الحواس المألوفة يجري تهذيبها وترويضها بواسطةٍ من السلوك التعبّدي المنهجي للمُختلي حتى يصبح بإمكانه من ثم السيطرة عليها وتطويعها وجعلها طوع أمره فلا تخرج عن نطاق تحكّمه. إن حصار الحواس هذا يشملها كلّها جميعاً: فالعين والاذن والأنف واللسان واليد في الخلوة، بشروطها القاسية بضرورة الانعزال التام عن باقي البشر والاقتصار في الطعام على النزر اليسير الذي بالكاد يسد الرمق ويبقي على الحياة، سوف لن يعود بامكان أي منها التعامل مع الواقع بالصورة التي اعتادت عليها. ان هذا الحصار ليس هدفاً في حد ذاته قدر ما هو الوسيلة لتحقيق الإطلاق المتعمَّد للقابليات الأخرى في الإنسان. وهذه القابليات الأخرى هي، عند الصوفية، ليست الهدف قدر ما هي الوسيلة للإنطلاق في تهذيب النفس الى آفاق اخرى جديدة يصعب معها عليها الرجوع الى سابق عهدها القديم من سيطرة كلية على الجسم وتسيير مطلق له. وهذا الذي أجمع عليه أساتذة الطريقة (الجانب التطبيقي لعقيدة التصوّف)، من قدرة للخلوة على اِطلاق هذه القابليات المتجاوزة للحواس المألوفة وامكانياتها المحدودة، من بعد فرض الحصار عليها واضطرارها الى الكشف عمّا هو كامن، قد أكّد عليه معلّمو الهند وحكماء الصين منذ قديم الزمان عندما شرعوا العزلة عن المجتمع منهاجاً لهم وللسالكين على دروبهم للوصول الى الخوارق. اِلاّ أن الفرق كبير جداً بين هذه الدروب الشاقة الشائكة وبين طريق التصوّف الأكثر سهولة والأوفر أماناً.

فالخلوة الصوفية هي ليست كالعزلة البوذية مثلاً. فهي لا تعتبر خلوة اِلاّ من بعد تحديدها بأجل مسمّى لا يتجاوز الشهرين زماناً بينما تمتد العزلة البوذية عن المجتمع لتشمل العمر بأكمله. وهذا يرجع بكل تأكيد الى اختلاف في المنهج المتّبع. فالخلوة عند الصوفية ليست انعزالاً عن المجتمع الى الأبد بل هي اختلاء الى حين وهي ليست ابتعاداً دائميا عن البشر واعتزالاً مستمّراً لهم بالكامل بل هي اجتماع مع النفس مؤجّل بأجل محدّد المدّة معلوم الأمد. والخوارق التي تصاحب الخلوة وتتبعها تفوق في شموليّتها وقوّتها تلك التي تصاحب العزلة البوذية على قصر مدّة الخلوة بالمقارنة مع المدّة التي تستلزمها العزلة حتى تؤتي ثمارها من الخوارق. ان هذه الخوارق التي تتميّز بها الخلوة الصوفية، وكما هو وارد في الكتب والمخطوطات الصوفية ومتواتر عن أساتذة الطريقة الى يومنا هذا، هي مجال خصب أمام باحثي الباراسايكولوجيا بمستطاعهم أن يفيدوا منه في دراسة جانب من أكثر جوانب النفس البشرية خفاء واستعصاء على التميّز بما من شأنه أن يتيح للعلم فرض سيطرته التجريبية عليه. وهذا الجانب هو صعوبة اخضاع الخوارق المألوفة لظروف المختبر من حيث تكرار حدوث الظاهرة الخارقة حين الطلب حتى يتسنّى للباحث أن يحصل على ما يمكّنه من دراستها دراسة تجريبية مستوفية الشروط المختبرية. ان علماء الباراسايكولوجيا مدعوون الى الخلوة الصوفية حتى يجرّبوا بأنفسهم، هم لا غيرهم، ما بمقدورها أن تطلق فيهم من قابليات هي ليست كما يدّعي معلّمو البوذية واليوغا قصر على من اعتزل المجتمع الى الأبد ولا كما يدّعي أنصار مذهب الموهبة المتفرّدة في عزوها الى قلائل من الأفراد الموهوبين المتميّزين، بل هي ملك مشاع لكل من سار على درب الصوفية بقواعد الطريق والتزم بسلوك منهجه القويم في التعامل المنضبط مع النفس. وهذه الخلوة لا تستدعي من المرء أن ينعزل بالكامل عن مجتمعه الى الأبد ولا أن يهجر حياته المألوفة الى غير رجعة طالما كانت مؤجّلة بأجل مسمّى ومحدّدة المدّة بزمان لا يتجاوز الأربعين يوماً! ان علماء الباراسايكولوجيا لن يرضى واحدهم بأن يتخلّف عن هذه الدعوة الى الخلوة وهو يرى الى زملائه من علماء الايثولوجيا (الدراسة العلمية للسلوك الحيواني) يسارعون الى قضاء الأشهر بل والسنوات في دراسة ميدانية حقلية لنوع من الحيوانات انتصاراً للروح العلمية وتأكيداً على صدق الإلتزام بالمنهج العلمي الصارم الذي يجب عليه هو أيضاً التقيّد به مادام قد ارتضى لنفسه أن يكون عالِماً!

أضف تعليق