بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
hللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كان لي صاحبٌ في غابر الأيام يفاخر على الدوام بما يظن أنها عبقريةٌ خصَّه الله تعالى بها من بين باقي الناس. ومن “تجليات” هذه العبقرية المتفردة أنه أخذ يعلِّل لصواب قراره بوجوب مضيِّه بعيداً عن أية محاولةٍ لإصلاح ذات البين، إذ كان قد قرر أن يقطع علاقته بي بقطعه ما كان بيننا من حبل مودة طالت أكثر من ستة عشر عاماً، بأنه قد تغيَّر فأصبح غير قادرٍ على أن يعود الصاحب الذي كنتُ أعرف، وبات يدلِّل على استحالة تحقُّق هكذا عودة بما أصبحت عليه عصا سيدنا موسى عليه السلام من بعد أن أمَرَهُ الله تعالى بأن يلقيها لتتحوَّل بلمح البصر إلى حية تسعى. فوفقاً لصاحبي هذا فإن عصا سيدنا موسى عليه السلام قد صارت شيئاً آخر بعد أن صيَّرها الله تعالى ثعباناً ولم تعد من بعد هذا إلى سابق عهدها الذي كانت عليه، يتوكّأ عليها ويهشُّ بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى. العجيب أن صاحبي هذا قد فاته، من بين كثير مما فاته، أن القرآن العظيم قد أبانَ عن حقيقة جد هامة إذ بيَّن أن العصا لم يكن لها أن تتغيَّر تغيراً دائماً ولكنها كانت يغيِّرها الله تعالى تغييراً مؤقتاً لتؤدي مهمةً معينةً تعود بعدها إلى سابق عهدها كما كان يعرفها سيدنا موسى عليه السلام، وذلك بشهادة النص القرآني الكريم (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى(20)قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (20-21 طه). إذاً فالقياس على أن العصا قد تغيّرت لتصبح شيئاً آخر، ولم تعد كما كانت عليه من قبل، هو قياس خاطئ. وأي استدلال يُبنى على ما هو خاطئ، هو كما يقول المناطقة خاطئ بدوره. لكن هذا هو ما تتميز به العقلية التي أفضِّل أن أشير إليها بـ “العقلية المُلاَّئية”، وهي تلك العقلية التي يتميَّز بها الملالي، غابرهم ومعاصرهم، والتي يُقاربون بها كل شيء من المقدَّس إلى العادي، ويستقرؤون ويستنبطون ويستنتجون، ويصِلون ما بين النقاط لينتهي بهم المطاف إلى الوقوع على ما يظنون أنها “حقائق فريدة” و”نتائج غير مسبوقة”، وتجليات لم يكن لغيرهم أن يفاخر بها! إن عقليةً مُلاَّئيةً كهذه لا يُرتجى منها أن تصل بأصحابها إلا إلى الولوغ في ما من شأنه أن يتقاذفهم بعيداً عن شاطئ الحقيقة وبر الأمان ليجنحوا خاتمة الأمر إلى مهلكةٍ وتهلكةٍ لا نجاة منهما بهكذا عقلية تُزيِّن لأصحابها الباطل ليرونه الحق الصُّراح.
