عودة إلى “طريقي إلى الله”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يصر الملالي على المضي قدماً في طريقهم المبتعد على الدوام عن النور والمتوغل في الظلمات، وذلك بهذا الإصرار منهم على النظر إلى الإنسان بعينٍ ليس بوسعها إلا أن تراه كياناً مخلوقاً من طينٍ صار من بعدُ لحماً ودماً. وبذلك فإن مقاربتهم للدين لن تأخذ منه إلا ما هو ذو صلةٍ بهذا التصور المُعتَل للإنسان. وكان أن تجلت مقاربتهم الفاشلة هذه للظاهرة الإنسانية بعجزٍ تام عن إدراك أن الإنسان ليس هو مجرد ما بوسع أعينهم أن تحيط به علماً مادام الإنسان يمتلك نفساً حروناً متواريةً بعيداً عن الأنظار. وهذا ما تحدثت عنه في منشور سابق بيّنت فيه لماذا بمستطاع التصوف وحده أن يقارب الإنسان بدناً ونفساً، ظاهراً وباطناً، بتشخيص علّته وتوصيف علاجها. 

path
أما ما سأتحدث عنه في هذا المنشور، فهو ما يمكن أن يكون دليلاً آخر على فشل الملالي في التعامل الصائب مع الظاهرة الإنسانية، وذلك لإيثارهم النظر إلى الإنسان باعتباره هذا الذي يتجلى أمام أعينهم بدناً مخلوقاً من طين هذه الأرض متشكلاً دماً ولحماً. فهذا الفشل في توصيف الإنسان بما هو عليه حقاً قد أتبعه فشل آخر في تقديم العلاج المناسب لعلَّته البنيوية، والذي انسحب ليس على ما هو ميتافيزيقي فيه فحسب، ولكن على ما بوسع ما يحيط به من ميتافيزيقا أن يكون لها تأثير بالغٌ عليه أيضاً.  فإذا كانت نظرة الملالي إلى الإنسان قاصرةً عن أن تدرك أن له نفساً ينبغي أن تُشخَّص، وأن يصار من بعدُ إلى علاجها، فإن هذه النظرة قد عجزت عن أن تدرك أن هناك كياناتٍ ميتافيزيقيةً محيطة بالإنسان تفعل فيه ما ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار تشخيصاً وتوصيفاً، ومن ثم علاجاً. تدبر الآية الكريمة (
يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)، ثم تذكر ما صحَّ عن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال “إن الشيطان يجري من إبن آدم مجرى الدم”.

إن إصرار الملالي على إغفال ما للمحيط الميتافيزيقي من تأثير على الإنسان جعلهم عاجزين عن أن يقدّموا الوصفة الروحية التي بمقدورها أن تنتشل هذا الإنسان من براثن هذه الكائنات، والتي لا نجاةَ من غوايتها وإضلالها إلا بمن هو قادرٌ بدءاً على تشخيصها من بعد إدراك تواجدها. فالتصوف إذ هو روح الإسلام، فإنه القادر على إنقاذ الإنسان من هذه الكائنات الميتافيزيقية مادام بوسعه أن ينظر إليها فيراها على حقيقتها المرعبة، ومادام بمقدوره أن يقدّم للإنسان الوقاية الروحية التي تجعله بمأمن من شرها، لا بل ويمكِّنه من دحرها وقهرها. وفي هذا دليلي الذي بوسعي أن أحاجج به فأبرهن به على أن التصوف هو الوجه الحقيقي للإسلام، وهو قلبه النابض وعقله المفكر ويده الباطشة الشافية. فلو كانت مقاربة الملالي للإنسان صائبةً، معرفةً به وتشخيصاً لعلله وتوصيفاً لدوائها وقدرةً على علاجها، لما كان الفشل هو ما بوسعك أن تصف به كل مجهودهم الذي تجلى في تصورهم السقيم للدين.

إن الفقه الصائب للإنسان هو الذي يمكِّنك منه تشخيصاً لحاله الذي هو حقاً عليه، وتوصيفاً لعلَّته التي لا يجيء الدنيا إلا ملتاثاً بها، وتقديماً لعلاجه الكفيل بإنقاذه من لوثته المخلوق بها ومن كل كائن ميتافيزيقي يتربَّص به شراً، وإلا فأنت في واد وهذا الإنسان في واد!

 

أضف تعليق