بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66 المائدة).
كلما تدبرتُ هذه الآية الكريمة خالجني شعور بالفزع الشديد وأنا أتصور أن حالنا مع الله تعالى ليس على الإطلاق بأفضل من حال من أشارت إليهم هذه الآية الكريمة. ويتبادر على الفور إلى ذهني السؤال التالي: “ونحن، هل أقمنا القرآن؟”. إن الإجابةَ على هذا السؤال يتكفل بها ما بوسعك أن تخرج به بقراءتك المتأنية لواقع حال الأمة. فكل مفردةٍ من مفردات هذا الواقع الأليم لها أن تخبرك بأننا ما أقمنا القرآن يوماً، وإلا لما كان هذا هو حالنا مع الله تعالى قبل أن يكون حالنا مع سواه.
إن إقامة القرآن هي بأن تعمل به أنت قبل أن تطالب غيرك بذلك، وهذا ما لا يخطر لنا على بال. فكل منا يظن أنه مستثنى، وأن الآخرين هم من يتوجب عليهم أن يقيموا القرآن، وذلك بأن يعاملوه كما أمرت آياته فيجعلوا دنياه كفيلةً بجعله يعيشها آمراً ناهياً متسلطاً مستعبداً مستبداً! وكلنا كصاحبنا هذا، نطالب الكل بما لا نرضى أن يكون عليه حالنا معهم. وهكذا فإننا إذ لا نرضى بما قسمه الله لنا من رزقٍ، وهو الحكيم الخبير، فإننا نحمِّل الآخرين ما كان جديراً بنا أن نحمله نحن أنفسنا من مسؤولية ما آل إليه أمرنا.
إن إقامة القرآن لا تعني بحال أن نطالب الدولة بأن تكيِّف حالها ليستقيم مع ما جاء به هذا القرآن. فالقرآن يتوجَّه إلى الفرد منا بخطابه التثويري الذي يريد به أن ننطلق، مستندين إليه، صوبَ إحداث زلزالٍ يأتي على ما صنعناه من أوثانٍ وأصنام ليمحقها محقاً، وليتسنى لنا من بعد ذلك أن نحيا هذه الحياة الدنيا كما خلقنا الله لنحياها بعبادته تعالى وحده لا شريك له.
أقِم القرآن أنت ولا تطالب الآخرين بما أنتَ مأمور بالقيام به، ولا تظن أنك قد أزحتَ عن كاهلك المسؤولية وذلك بأن تلقيها على كاهل غيرك. إن ما أنت عليه من سيء حال ليس لأحدٍ من قدرةٍ على التسبب فيه مادمت أنت من صاغ هذا الحال قدَراً قدَّره الله تعالى عليك لسابق ما عرفه تعالى عنك مما سيؤول إليه مآلك. فلا تخدع نفسك بمطالبة غيرك أن يقيم القرآن وأنت ما أقمته، ولا في واردك أن تقيمه يوماً. إنزع عنك ما ليس لك، وتحلَّ بما هو لك، وافعل الفعل الذي يتوجب عليك وإلا فأنت كاذبٌ منافق لن تربح هذه الحياة الدنيا ولن يكون مصيرك في الحياة الآخرة بأفضل إذ ينتظرك الدرك الأسفل من النار.
