أنتْ، أنثى أم ذكر؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

heart of lightكانت زيارتي الثانية لكاليفورنيا ربيع عام 1996 للمشاركة في “الندوة الدولية للتصوف” بإلقاء محاضرة عن “البرهان الصوفي على وجود الله تعالى”. ولقد خرجتُ بانطباعٍ سيء جداً عن تلك الندوة وعن من أشرف على تنظيمها وإدارتها. ويعود السبب في ذلك إلى أنني تفاجأتُ بشيء لم أجد له حينها أي مبرر على الإطلاق، وذلك أن الإشارة إلى الله تعالى باللغة الانكليزية اتخذت شكلاً لا تملك إلا أن تلحظ فيه تملقاً للمزاج العام الذي تواضع عليه الكاليفورنيون. وذلك بإتباعهم “He or She” (“هو أو هي”) بعد ذكرهم كلمة “God)الرب(! ومقصودهم من وراء هذا هو لكي يعطوا الانطباع بأنهم ليسوا ممن يقول بذكورية الرب، وأنهم لا يدرون جنس الرب ذكراً هو أم أنثى!!!

على أي حال، لقد بدا واضحاً لي أن الهدف من وراء هذه الندوة، وكل ما اشتملت عليه من فعاليات، لم يكن الدوران في فلك الحقيقة قدر ما كان دوراناً حول النفس بأناها المتضخمة التي وإن ادَّعت أنها تخاطب الله تعالى، فإنها في حقيقة الأمر لا تني تستجدي إعجاب الآخرين!

لقد فات هؤلاء أن اللغة الانكليزية فقيرة المفردات، ضعيفة البنيان النحوي؛ وهذا أقل ما يمكن أن يتم الحديث عنه بخصوص الضعف البُنيوي الذي قُدِّر لهذه اللغة أن تنطوي عليه، وذلك بالمقارنة مع لغاتٍ كالعربية والألمانية تتفوق عليها بُنيةً ونحواً وقدرةً على صياغة المعاني بأرشق المباني. ولقد فات هؤلاء أن اللغة الإنكليزية ليس فيها إلا ما يشير إلى جنسين، هما المذكر والمؤنث، وليس هناك من إشارة إلى ما ليس بالمذكر ولا بالمؤنث. فـ “الله” في اللغة العربية إن كان يشار إليه بـ “هو”، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أنه مذكر نحوياً؛ حيث أن “هو” تشير إلى المذكر وإلى من ليس بالمذكر ولا بالمؤنث. ومن ليس بالمذكر ولا بالمؤنث تشير إليه اللغة الألمانية على أنه حيادي (Neutral)، وبذلك فإن عجز اللغة الانكليزية عن التعامل النحوي الصائب مع كلمة “الرب” (God) لا ينبغي أن ينعكس على حديثنا عنه وبالمعنى الذي يجعلنا نقع في خطأ الإشارة إليه على النحو الذي تجلى في هذه الحيرة المعرفية أذكرٌ هو أم أنثى!!!

خلاصة القول: الله تعالى ليس بالذكر ولا بالأنثى، وهذا ما تتفوق به اللغة العربية إذ أنها تذكره تعالى دون أن يتداعى إلى ذهنك أنه ذكرٌ مادامت هذه اللغة تتفرد بهذه المقدرة على مخاطبة الذكر والأنثى، وما ليس بذكر ولا بأنثى.

كل ما تقدَّم هو مقدمة وجدتها ضروريةً للولوج إلى ما افترقنا عليه نحن المتحدثون بلسان الضاد، إذ نسينا ما تفرَّدت به لغتنا العربية المباركة وأخذنا نخوض في متاهات الافتراق الذكوري والأنثوي! فأصبح الإنسان عندنا يُعرَّف بجنسه، ذكراً أم أنثى، عوض أن يكون تعريفه يتسامى فوق هذا الذي لا يمكن بحال أن يكون تعريفه الجامع المانع.

إن الله إذ ينظر إلينا فإنه لا يرانا ذكوراً أو إناثاً، وذلك بشهادة ما صح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنه قال: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. وإذا كان الله تعالى ينظر إلى واحدنا فلا يراه ذكراً أو أنثى، فلماذا نصر، نحن الذين نزعم أننا تفردنا بهذا الإيمان به مسلمين محمديين قرآنيين، على أن يعرِّف بعضُنا الآخرَ استناداً إلى واحدةٍ من مُعرِّفاته فحسب؟!

إننا لن يكون بوسعنا أن ننفي عن أنفسنا تهمة النفاق ما لم نبادر من فورنا إلى اطِّراح هذه النظرة غير الصائبة، والتي تعجزنا عن أن يكون بمقدورنا أن نرى ما يميّز واحدنا، ذكراً كان أم أنثى، من تفرُّدٍ، له أو لها، أن يُعرَّف به، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بلا شيء غير ما يُفهم من حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: القلب والأعمال. فقلبك ليس بمذكر ولا بالمؤنث، وكذلك أعمالك. فمتى يكون بمقدورنا أن ننظر إلى أنفسنا فلا نراها كما يراها من لم يُنعِم الله تعالى عليهم بهذه اللغة المباركة التي كان لنا أن نفيد من ما تفرَّدت به ليكون بوسعنا أن لا نتيه، كما تاه غيرنا، في متاهة “أنتْ، أنثى أم ذكر؟”.

أضف تعليق