الإسلاموفوبيا بين الدين والتديُّن

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

islamophobiaلم يُبتلَ دينٌ بملاليه كما ابتُلي الإسلام بملاليه! فخرابُ دنيانا جاء قبل أوانه، وذلك على أيدي هؤلاء الملالي الذين ابتدعوا من البِدَع والضلالات ما يفوقُ بكثيرٍ جداً ما زعموا أنهم جاؤوا لنقضِهِ وإبطالِهِ منها! فهُم والله البِدعةُ العظمى والضلالةُ الكبرى. وأنتَ إذا ما أردتَ أن تنفض عنك ما ألبسوك إياه، ليكون بعدها بمقدورك أن تتطهَّر فتكتسيَ بلباس التقوى الذي هو خير، فإنه يتوجَّب عليك أولاً أن تُدرك أن الدين الذي تشرَّفتَ بمعرفتِهِ، إذ جعلَك قدرُك الإلهي تولَد بين ظهراني مَن تديَّنوا به، هو شيء والتديُّن به شيء آخر، وأنَّ قيامك بمطابقةِ الإثنين ليكون الواحد منهما هو الآخر، سيجعلُك تقع في المحظور فترتكبُ بذلك واحدةً من الآثام التي لا أظنُّ أن من اليسير غفرانها. فالتديُّن هو أخذُك عن الدين ما أُمرتَ أن تأخذه. وهو لذلك لا يمكن أن يكون تعريف الدين مادام أخذُك هذا هو على قدْرِ مستطاعك. فالدينُ أكبرُ بكثير من التديُّن به، وهو لا يمكن أن يُحجَّم فيُصغَّر إلى ذاك القدْر الذي له أن يجيءَ مطابقاً لتديُّنك، أي لما تيسَّر لك أخذُه منه. وهذا ما فات الكثيرين ممن ظنوا أن الإسلام والمسلمين شيء واحد. فالمسلمون، أي المتديِّنون بدين الإسلام، لا يمكن لهم أن يكونوا التعريف الذي به يُعرَّف الإسلام.

مرةً أخرى، الإسلام شيء والمتديِّنون به شيء آخر. والمسلم الحقيقي هو المسلم المؤمن بالله تعالى إيماناً دخل في قلبه، وذلك بشهادة الآية الكريمة (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم). والمسلم الحقيقي بعدُ هو الإسلام، إذ يكون هذا المسلم قد أخذَ من الإسلام كلَّ ما جاء به الإسلامُ وكل ما أمرهُ به الإسلام، فكان إسلاماً ناطقاً يمشي على قدمَين كما كان حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قرآناً ناطقاً يمشي في الناس. وبذلك فلا يصحُّ أن تُعرِّف الإسلام بدلالة المتديِّنين به ماداموا هم ليسوا مسلمين تشرَّبوا الإسلامَ حتى دخل قلوبهم فأصبحوا من المؤمنين. وهذا أمرٌ جَلَل إن فاتك إدراكه فقد فاتك الكثير. ويبدو أن أهل الغرب قد فاتهم هذا الكثير إذ طابقوا بين الإسلام وبين المتديِّنين به، فكان لما ساءهم من تصرُّفات هؤلاء أن ينعكسَ سلباً على الإسلام فجاءت معرفتهم بالإسلام مطابقةً لما عرفوه من هؤلاء المتديِّنين به، وهؤلاء ما أخذوا من الإسلام شيئاً ذا بال ماداموا قد أساؤوا إلى الإسلام. إذاً فالمتديِّنون بالإسلام، من الذين أساؤوا إلى الإسلام والذين هم ليسوا على شيء منه، هم من قدَّموا للغرب التعريف الذي عَرفَ به الإسلام، فكانت جنايتهم على الإسلام مزدوجة: مرةً إذ أساؤوا إليه بعدم تطبيقهم له، وأخرى بتعريفهم له بسيء أعمالهم كما عرفَ الغربُ بها الإسلام.

لذا فإن الخوف المرضي من الإسلام (الإسلاموفوبيا)، إذ هو حال الغرب اليوم مع الإسلام، هو في حقيقته لا علاقةَ له بالخوف من الإسلام الحق إذ لا إسلامَ لمن تديَّن به ولم يكن هذا التديُّن مرآةً لما جاء به. وبالتالي يكون أهل الغرب غير مُحقِّين في خوفهم من الإسلام الذي لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بهؤلاء المتديِّنين به ممن لم يتشربوه فيصبحوا به من المؤمنين. والغربُ إن أرادَ أن يُعرِّف علاقته بهؤلاء، فعليه أن يصف خوفه بكلمةٍ أخرى غير “الإسلاموفوبيا”. فخوفه هو من هؤلاء لا من الإسلام، الذي إن عرَفه متجسداً فيمن تشرَّبه حتى جعله من المؤمنين، فلن يكون بوسعه إلا أن يتقبَّله ويحبه وإن لم يدين به.

أضف تعليق