الإسلام السياسي مشروعٌ فاشلٌ دنيا وآخرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كانت سفرتي الثالثة إلى ألمانيا خريف عام 1997 نقطةً فاصلةً في حياتي. فقبل الشروعِ بها بأيامٍ قليلة كنتُ قد أخذتُ بإطالة التدبُّر في الآيتين 109-110 من سورة التوبة (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين. لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). وكنتُ طيلة مدة بقائي في ألمانيا أواظب على ترديدهما حتى أضحتا وِرداً لازمني ليل نهار. وإذ كنتُ أهِمُّ بأن أُقفل راجعاً من سفرتي هذه، تجلَّت أمامي الآية الكريمة 10 من سورة القمر (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر)، فكان أن أضفتُها إلى آيتَي التوبة أعلاه لتكون هذه الآيات الكريمة الثلاث المفتاح الذي مكَّنني من أن أُقاربَ الحضارة الغربية القائمة، والحضارة المحمدية القادمة، مقاربةً تتيحُ للمرء أن يتبيَّن القدَر الذي جعل محتوماً زوال الأولى ومحتَّماً قيام الثانية على أطلالها. هذه مقدمةٌ وجدتُها ضروريةً للولوجِ إلى موضوعٍ ذي صلةٍ، وإن كان ظاهرُه لا يشي بهذه الصلة. فإذا كان الإسلامُ هو دين الحضارة الجديدة، المحمدية بالضرورة، فإنه الدين الذي أساء إليه المتديِّنون به أكثر مما أساء إليه أعداؤه ممن لا يدينون به. والإساءةُ هنا كانت بتشويه رسالته، وذلك بحرفها عن وجهتها ومقصدها لتتخذ لها وجهةً ومقصداً ما أراده الله تعالى لها أن تتخذه أبداً. فالإسلامُ دينُ الآخرة قبل أن يكون دين هذه الحياة الدنيا. والإسلامُ جاء ليكون ثورةً يقوم بها الفرد على نفسه لا أن يقوم بها على مجتمعه الذي يعيش فيه. فهو إذاً أبعدُ ما يكون عن أن يتصف بما انحرف به المسيِّسون إلى مقاصد لم تكن يوماً ضمن جدول أعماله. فلم يُنزِل الله الإسلامَ ليكون للمتدينين به أن يصلوا به إلى سدة الحكم من بعد تصارعٍ مع أهل الدنيا. إلا أن واقع الحال ينبئ بخلاف ذلك. فمُسيِّسو الإسلام لم يجدوا في الآخرة، التي جاء الإسلام ليحذِّر منها ويبشِّر بها، ما تطيبُ له نفوسهم التواقة إلى السلطة وإلى التنافس مع أهل الدنيا عليها. فكان أن ابتدعوا إسلاماً آخر، غير الإسلام الذي أنزله الله، ليكون سبيلهم إلى التأثير على الدهماء والرعاع والغوغاء ليصلوا على أكتافهم إلى سدة الحكم. وهم بهذا قد ابتنوا مشروعاً أسموه بمشروع “الإسلام السياسي” الذي تجد له تنويعاتٍ مختلفةً باختلاف الأقطار والأمصار والزعامات والتيارات. وكلها جميعاً، وإن اختلفت مبنى فإنها تتطابق في المعنى مادام مقصودها واحدٌ، وهو السلطة ولا شيء آخر غير السلطة.

لقد فاتَ هؤلاء المُسيِّسون، الذين ابتدعوا إسلاماً آخر غير إسلام الله تعالى، أن دينَهم المبتدَع هذا ينطبق عليه تفسيرُ الآيتين من سورة التوبة أعلاه. فهذا الإسلام المبتدَع هو مسجدٌ ضِرارٌ آخر، وهو بنيان أُسِّس على غير تقوى من الله ورضوان على شفا جرف هار، وهو لذلك لابد وأن ينهارَ في الدنيا لينهارَ بعدها في نار جهنم.

إن الإسلام السياسي هو إسلامٌ مبتدَع لم يأذن به اللهُ تعالى، وهو عدوٌ للإسلام الحق، وهو البِدعةُ التي يصحُّ في وصفها أنها أُم الضلالات، ويصحُّ فيها ما لا يني خطباء المنابر يرددونه مستهل كل خطبة لهم يوم الجمعة: “إن شرَّ الأمور مُحداثتُها، وإن كلَّ مُحدَثَةٍ بِدعة، وكلُّ بِدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالةً في النار، أجارنا اللهُ منها وإياكم”!!!

أضف تعليق