بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لماذا أمر الله تعالى ببِر الوالدين في أكثر من موطنٍ في القرآن العظيم، ولم يأمر ولو مرةً واحدة بالبِر بالأبناء؟ إن تدبُّر واقع حال مَن تعرف لابد وأن يجعلك تقع على السبب من وراء ذلك. فإذا ما أنت أحصيتَ فلن يكون عسيراً عليك تبيُّن الحقيقة التي بموجبها يكون الواحد منا ميَّالاً إلى صَب عواطفه باتجاه ذريته صباً لا يكادُ يُبقي له إلا على نَزرٍ يسيرٍ منها ليتصدَّق به من ثَمَ على والديه؛ هذا إن كان من الذين يُشار إليهم فيُقال عنهم إنهم بارُّون بوالديهم. فما السبب الذي جعلنا نُشفِق على أبنائنا إشفاقاً لا يُبقي لنا على شيءٍ من عاطفة نبِرُّ بها والدينا؟
بدءاً، لابد وأن أثبِّت هنا ملاحظةً مهمةً للغاية. إن الله تعالى ما كان ليأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما لولا أننا جُبلنا على عدم القيام بذلك طواعيةً من تلقاء أنفسنا كما هو حالُنا مع أبنائنا. والأصل الفقهي في أوامر الله تعالى التعبُّدية هي أنها في الغالب الأعم تجيء لتقسُرنا على ما تكرهُ أنفسُنا إجباراً لها على القيام به حتف أنفها. وهذا يُستدَل منه أنَّنا إذا لم نكن قد جُبلنا على البر بوالدينا فإننا قد جُبلنا على العطف على أبنائنا.
والآن، لنحاول أن نفقه السبب وراء هذا التمايز الذي يجعلنا أسخياء في عطفنا على أبنائنا وبخلاء في البر بوالدينا. لقد جعلنا الملالي نتوهم معهم أننا خُلقنا خلْقاً مستقلاً فلم يكن هناك من ماضٍ حيواني ضاربٌ في القِدَم منه نشأنا وتطورنا وارتقينا إلى ما أصبحنا عليه بشراً من بني آدم. وهذا باطلٌ يزهقه تدبُّرُك فيما يجمع بين الإنسان والحيوان من رباطٍ لا يمكنك أن تخطئه إذا ما أنت أمعنتَ النظر في سلوكيات الإنسان التي لم يكن له أن يتصرَّف وفقاً لها لو أنه لم يكن ذا ماضٍ حيواني ضاربٍ في القِدَم حتَّم عليه أن يكون هذا الإنسان الذي تعرف.

لقد خلق الله تعالى الطبيعةَ وبرمجَها ليكون ما يدفعُ بها هو تقيُّدها الصارم بما بُرمجَت لتقوم به. فالطبيعةُ صمَّمها اللهُ تعالى لتغزوَ عالمَ هذه الأرض فتنتشر مُحوِّلةً المادةَ الميتة فيه إلى مادةٍ تنبض بالحياة البايولوجية. ولقد حتَّم هذا على الطبيعة أن تجعل الحياة البايولوجية تعملُ جاهدةً على تحقيقِ برنامجِ الغزو البايولوجي للأرض، وذلك بأن تجعل النوع يبرمِج أفراده ليعملوا بدورهم جاهدين على تكثير عددهم بالتزاوج والإنجاب. ولكي يتم ضمان حصول الأفراد الجُدد على ما سيمكِّنهم من القيام بهذا الدور القدَري لاحقاً، كان على آبائهم وأمهاتهم أن يُبرمَجوا ليُغدِقوا عليهم من الحنان والعطف ما هو كفيلٌ بجعلهم يبقون على قيد الحياة لينموا ويكبروا في عالمٍ ليس باليسير أن تبقى فيه على قيد الحياة. ولأن الطبيعةَ قانونُها الحاكمُ المتحكِّمُ في كافة فعالياتها هو الاقتصاد في الإنفاق والصرف، فإن العاطفةَ لم يكن لها أن تكون إلا باتجاهٍ واحد لا في جميع الاتجاهات. فليس هناك من مبررٍ اقتصادي على الإطلاق في جعل الأفراد الجدُد يغدقون من هذه العاطفة على آبائهم وأمهاتهم مادام من الأفضل اقتصادياً أن تُوَجَّهَ إلى الأمام لا إلى الوراء فتُنفَق على أفرادٍ جُدد آخرين لينموا ويكبروا ويقوموا هم أيضاً برفد النوع بأفراد جدد آخرين، مادام الأمرُ كلُّه متعلقاً بتكثير أفراد النوع ليتسنى للطبيعة أن تحقق ما خُلقَت لأجله فتغزوَ عالمَ هذه الأرض فتنشرَ فيها الحياة البايولوجية قدر الإمكان.
لذلك فلم يكن هناك على الإطلاق من مبرر ليكونَ الفردُ منا حنوناً على والديه مادام “الاقتصاد في الطبيعة” يرى في هذا الحنان هدراً وتبذيراً ليس له أي دور في معركة الغزو البايولوجي للأرض. وهذا ما جعل اللهُ تعالى يأمرنا بالبر بوالدينا فنخالف بذلك عن أمر برنامجنا الحيواني الذي خُلقنا به بسببٍ من خِلقتِنا التي كان عليها أن تمرَّ في محطاتٍ حيوانيةٍ عديدة قبل أن تصِلَ إلى وجهتها النهائية التي أصبحنا بموجبها البشر الذين تعرف. إن الأمر الإلهي ببر الوالدين هو دليلٌ قاطعٌ بأن الإنسانَ ذو ماضٍ حيواني حتَّم عليه أن لا يُغدق من عطفه وحنانه إلا على مَن هم بحاجةٍ إليه ليُكتَب لهم بهذا العطف والحنان حياة لها أن تجعلهم مؤهَّلين ليؤدوا واجبَهم الذي خُلِقوا للقيام به عندما يحينُ الوقتُ لذلك.
