فاقد الشيء لا يعطيه ونظرية الانفجار العظيم (البيج بانج)

البِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

drop of waterكان من أول ما قرأته من الكتب الدينية، كتابٌ في علم الكلام، وذلك عندما كنتُ في الحادية عشرة من عُمُري. وكان أن تعرفتُ فيه للمرة الأولى على عبارة “فاقدُ الشيء لا يعطيه” التي يعرفها كل من خاض في هذا العلم. تذكرتُ هذه العبارة مؤخراً وأنا أتأمل في إجماعٍ لملالي العلم وملالي الدين قلما يحدث. فلقد أجمع هؤلاء على أن الكون أصلُه من العدم. صحيحٌ أن ملالي الدين يقولون إن هذا الانبثاق لم يحدث تلقائياً وبصورة عفوية، كما يقول ملالي العلم، إلا أنهم كلهم جميعاً قد أجمعوا على أن مادة وطاقة هذا الكون قد وُلِدت، أو خُلقت، من اللاشيء (العدم)! لذا فلقد كان من العجيب أن يفوتَ ملالي الدين أن يتذكروا مقولتهم الشهيرة “فاقدُ الشيء لا يُعطيه”، وهم يقطعون بهذه الخِلقة العجائبية لمادة الكون وطاقته! فإذا كان العدم فاقداً للوجود، فكيف له أن يعطي الوجود وهو غير موجود أصلاً؟!

من المفهوم لدي أن يخوض ملالي العلم في مخاضة الظن الواهم بأن العدم قادرٌ على أن ينبثق منه هذا الوجود، وهم المُنظِّرون الخياليون الذين استعاضوا عن خيالات الميتافيزيقا التقليدية بتخيُّل كيانات صاغوا منها هذه الميتافيزيقا المعاصرة التي لا قيام لها إلا بهذه الكيانات، ولكن ليس من المفهوم على الإطلاق أن يوافقهم ملالي الدين فيما ذهبوا إليه، وهم الذين عادةً ما لا ينسون مقولاتهم التي لا يفتأون يكررونها في مناسبة ودون مناسبة!

إن الفيزياء المعاصرة قد جنت على نفسها، فحكمت عليها بالزهوق مادامت هي الباطل الذي أزهقه مجيء الحق يوم أن تنزَّل قرآناً عربياً على قلب نبيٍّ عربي هو حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فهذا القرآن العظيم، إن أنتَ تدبَّرته بقلبٍ بلا أقفال، له أن يُعينك على ما يُمكِّنك أن تدحض به هذا الزعم بالانبثاق، أو الخلق، من العدم. فأنتَ إن تدبرتَ آياته الكريمة التي تتحدث عن الخلق، فلن تجد فيها ما يؤيِّد فكرة ملالي الدين بالخلق من عدم. فكل خلقٍ في القرآن العظيم إنما هو خلقٌ لشيء من شيء، وليس هناك من خلْقٍ فيه لشيء من لاشيء.

والآن، إذا لم يكن مع الله تعالى شيء قبل أن يخلق الكون، فكيف إذاً خلق الله الكون ولم يكن هناك أي شيء ليخلقه منه؟ إن الحل هو أن نقول، وبكل ثقة، إن الله تعالى خلق الكون من ذاته الشريفة الجليلة دون حاجةٍ إلى شيء إذ لم يكن هناك شيء. وهذا الخلق للكون من المادة الإلهية قادرٌ على أن يوجِّه الضربة القاضية للفيزياء المعاصرة التي تتوهَّم أن هذا الوجود بوسعه أن ينبثق هكذا، وبصورة مفاجئة، من نقطةٍ متناهية في الصغر، وفق ما تقضي به نظرية الانفجار العظيم (البيج بانج).

إن الفيزياء الجديدة التي وُفِّقتُ للعمل عليها طيلة الأربعين عاماً الماضية، لَتتفق كل الاتفاق مع هذا الخلق الإلهي للوجود من ذات الله تعالى؛ إذ لا حاجة هناك، وفقاً لما تقضي به هذه الفيزياء الجديدة، لتلك النقطةٍ المتفردة المتناهية في الصغر التي عنها انبثق كل ما في الوجود من مادة وطاقة! فهذه الفيزياء الجديدة تقوم على أساسٍ من الكيل بمكيالٍ واقعي، وليس بذاك المكيال الخيالي الذي جعل الفيزياء المعاصرة تضع في إحدى كفتَيه هذه النقطة الافتراضية، وفي الكفة المقابلة الكون بكل ما فيه من مادةٍ وطاقة!

يبدو أن المُلائيةَ تأبى إلا أن تجعل ممن يدينون بها يفكِّرون بالعقلية ذاتها، وهذا ما تراه متجلياً في اجتماع ملالي العلم وملالي الدين على هذه الفكرة التي بموجبها يكون الكون، بكل ما فيه من مادة وطاقة، قد خُلِق أو انبثق من اللاشيء!

أضف تعليق