بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لعل أبرز ما يميِّز الغالبية العظمى من بني آدم، هو ما جُبلوا عليه من نفسٍ أبية حرون. ولعل هذا أن يكون السببَ في أننا لا نغفر ولا نصفح ولا نعفو ولا نسامح من أساء إلينا عن سابق قصدٍ أو دون قصد. ولقد علَّمنا القرآن العظيم فذكر حقيقةً ما كنا لنعرفها لولا أن الله تعالى قد ذكرها فيه لتذكِّرنا على الدوام بما أُحضرت أنفسنا من شُحٍّ وبُخلٍ يجعلانها لا تنسى الإساءة إليها وإن كانت هي لا تعرف غيرها سبيلاً في تعاملها مع الآخرين. ولذلك كان الإحسانُ واحداً من أهم التقنيات التعبُّدية التي ألحَّ عليها قرآن الله العظيم في غير موطنٍ منه علَّ في التكرار ما يجعلنا نتخذه سبيلَنا في التعامل والمعاملة. ولقد صحَّ عن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال “الدين المعاملة”. فلن تنفعك صلاتك ولا ما تظنُّ أنه صالح عملك إذا ما أنتَ لم تكن مسامحاً للناس ملتمساً لهم الأعذار دون أن تدع ما يسوؤك منهم يجعلك سادراً في غيِّ وحقدٍ هو قاتلك لا محالة مادام هو الحجابُ الذي سيزدادُ سُمكاً كلما ازددتَ حقداً، حتى يجيء وقتٌ لن تعودَ بعده قادراً على أن تعيَ بقلبك من الحقِّ شيئاً لفرطِ سُمْكِ هذا الحجاب. تدبّر الآية الكريمة 22 من سورة النور (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن تدبُّرَك لهذه الآية الكريمة مُفضٍ بك إلى الوقوع على حقيقةٍ جد هامة؛ إن الله تعالى ما كان ليُذكِّرنا بهذا التناقض، الذي قلما نتبيَّنه في علاقتنا بالله تعالى وبالآخرين، إلا لنعيَ أننا إذ نرجو أن يغفر الله تعالى لنا عظيم ذنوبنا وصغيرها، فإنه لا يرد لنا على بال أن نصفح عن من أساءَ إلينا، ناهيك عن أن نغفر له جريمته الكبرى التي اقترفها يوم أن أساءَ إلينا.
إن معيار إسلامك، الذي به بوسعك أن تتبيَّن ما إن كان قد أهَّلك لأن تكون به ذا قلبٍ عامرٍ بالإيمان، هو هذا العجزُ منك عن أن تكون مصغياً مطيعاً لما تأمرك به نفسُك من وجوب معاقبة المسيئين إليك بالإعراض عنهم رفضاً لكل اعتذارٍ وتشكيكاً في النية من ورائه وحكماً نهائياً ناجزاً بأن كلَّ من أساء إليك ليس له أن يطمع في أن ينال عفوك وصفحك وغفرانك. فإن أنت كنت هذا الذي لا يعذر ولا يصفح فلن تكسبَ خيراً من إسلامك، ولن يكونَ لك أن تأمل أن تطالَك رحمةُ ربك التي إن خسرتَها فلن يعاملك إلا بعدله، ويا ويلك.
