بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
دأب التفسير التقليدي للقرآن العظيم على جعلنا نتوهم معه أن ما يقول به من تفسيرٍ لهذه الآية الكريمة أو تلك هو الحقيقة التي لا يجوز لنا أن نشك فيها فنشرع بالبحث عن تفسيرٍ آخر يكون هو الحقيقة أو الأقرب إليها. وبوسعي أن أسوقَ مثلاً على هذا التضليل الذي قام به المفسِّرون التقليديون عن غير قصدٍ منهم طالما أنهم قد قدَّموا بتفسيرهم ما ظنوا أنه الحقيقة. وهذا المثال هو التفسير التقليدي للآية الكريمة 4 من سورة القلم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). فالتفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة هو أن للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أخلاقاً عظيمة أشادت بها هذه الآية الكريمة. ولي تفسيرٌ أخالف به عن هذا التفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة.
بدايةً لنقرأ هذه الآية الكريمة بالآية الكريمة 137 من سورة الشعراء (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِين)، والتي هي الآية الكريمة الأخرى الوحيدة التي ترد فيها كلمة “خُلُق”. لا يمكن على الإطلاق القبول بأن معنى “خُلُق” هو ما يتداعى إلى الذهن من معنى لكلمة “أخلاق”. فهاتان الكلمتان “خُلُق” و”أخلاق”، وإن تشابهتا في المبنى، فإنهما غير مترادفتين في المعنى. والآية الكريمة من سورة الشعراء تبيِّن هذا واضحاً جلياً؛ إذ أن “خُلُق الأولين” هو نهجهم وسيرهم وسيرتهم وصراطهم وطريقهم، وليس بأي حال أخلاقهم. وبذلك يكون الخُلُق العظيم، الذي ذكرت الآية الكريمة أن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عليه، هو الطريق والمنهاج والصراط. وهذا ما نجده واضحاً جلياً في آياتٍ كريمة أخرى مثل الآية الكريمة 67 من سورة الحج (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيم)، والآيات الكريمة (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(3)عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) من سورة يس، والآية الكريمة 36 من سورة مريم (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، والآية الكريمة 73 المؤمنون (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
إذاً فإن التدليل على عظيم أخلاق حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لا يستدعي أن نجيء بآية الخُلُق العظيم دليلاً وبرهاناً. فلقد كان يكفي أن نذكر ما صحَّ عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال “أدَّبني ربي فأحسنَ تأديبي”، و”إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”.
أختمُ فأقول إن التفسير التقليدي معذورٌ فيما ذهب إليه من تفسير “الخُلُق” بأنها “الأخلاق”، ولكن أي عذرٍ لنا إذا ما نحن بقينا ندور في فَلَك هذا التفسير كثور الساقية ونحنُ قد أمرنا الله تعالى بأن نتدبر القرآن بقلوبٍ بلا أقفال، وذلك بأن لا نركن إلى تفسيرِ آياته الكريمة فنستقر عليه إلا من بعد أن نستيقن من أن هذا التفسير هو التفسير القرآني لهذه الآيات.
