بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تنظرُ إلى عجيب صنع بني آدم هذا الزمان، فتقودُك الأوهام والظنون إلى أن الإنسان هو بحق ما يزعم مؤلِّهوه! فهذه الحضارة المعاصرة قادرةٌ على أن تسحرك بما تكونت منه فكانت به أعجوبة الأعاجيب إذا ما أنت قاربتَها بعينٍ تقارن بين ما هي عليه وما كانت عليه سابقاتها من حضاراتٍ قُدِّر للإنسان أن يؤسِّس لها. إلا أن نظرةً أخرى متأنيةً متفحصةً لحضارتنا المعاصرة هذه بوسعها أن تتبيَّن تناقضاً صارخاً بين هذا المُنجَز، الذي هو أقرب إلى الإعجاز منه إلى شيءٍ آخر، وبين الإنسان الذي ما كانت هذه الحضارة لتُبهِرُك بإعجازها هذا لولاه. فهذا الإنسان المعجِز إنجازه، بشهادةِ حضارته المعجزة هذه، هو كائنٌ عاجزٌ عن أن يقهر ما يضطرمُ ويعتملُ داخلاً منه من مشاعر وأحاسيس تتقاذفه وتتجاذبه لكأنه فريسةٌ تمزِّقها أنيابُ ومخالبُ كاسرٍ من الضواري!
فكيف لهذا الإنسان الخرِب أن يقيمَ حضارةً مُبهِرةً كهذه التي قُدِّر لنا أن نعيش زمانها؟ لقد وقع على هذا التناقض البيِّن عددٌ غيرُ قليل من المفكرين والفلاسفة، أذكر منهم الرياضي والفيلسوف الفرنسي الشهير بليز باسكال الذي كتب واحدةً من أجمل خواطره بهذا الخصوص في كتابه الشهير “خواطر”.
والحقُّ أنني كلما نجحَت هذه الحضارة المعاصرة في جعلي أنبهرُ بها مفتوناً مسحوراً بعجيب منجَزِها وغريب ابتكاراتها، فإنني سرعان ما أذكِّر نفسي بالآية الكريمة 39 من سورة النور (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). لقد علَّمنا قرآن الله العظيم بهذه الآية الكريمة أن لا ننخدع بما يمكن للإنسان أن يصنعه بيده، وذلك لأن هذا الذي صنع إن لم يكن قد أسَّس له على تقوى من الله ورضوان، فإنه لابد وأن ينهار به قريباً عاجلاً في نار جهنم، من بعد أن تنهار صنائعُه قبلها في هذه الحياة الدنيا.
وليست كل حضارةٍ يصنعها الإنسان هذا هو مصيرُها بالضرورة؛ فالأصلُ أن تؤسَّس الحضارة على تقوى من الله ورضوان. وهذا لن يكون إلا بأن يكون المؤسِّسُ لها هو إنسانٌ أعادَ تأسيس نفسه على تقوى من الله ورضوان. فالطريق إلى حضارة لن تنهار بالإنسان في نار جهنم هو الطريقُ إلى إنسانٍ جديدٍ بالتمام والكلية لا شبَه بينه وبين الإنسان الذي نعرف.
